بقلم: حاتم سلامة
حدثتنا عبر صفحات الفضاء الأزرق الصديقة السورية القديرة [إيمان قادري]، وحكت بعضًا من ذكرياتها عن والدها الكريم، الذي وإن كان قد فارق الحياة، إلا أن ذكراه وآثاره وتربيته ما زالت لها رنينها الذي لا يكف أو يخمد، لأنها سيرة رجل تعلق قلبه بالقرآن الكريم تعلقًا بلغ حد الشغف والعشق والهيام.
اقرأ أيضا| كرامة باحث
وكان ما حكته من معانٍ عظيمة جعلنا نترحم على هذا الوالد الكريم، بل جعلتنا نقول: ما أسعدها بأبيها. والسيدة أديبة بارعة، ذات أسلوب راقٍ وعبارات عذبة وبيان يستحق الإشادة، ولها أعمال أدبية تشهد بجهودها. لكنها أرادت عبر سردها لهذه الذكرى أن تتذكر رحلتها مع أبيها القرآني، والذي كان سببًا فيما وصل إليه قلمها من سحر البيان، حينما كان العتبة الأولى التي تخطت منها إلى عالم القرآن الفسيح وإشراقاته وبركاته التي لا تنقطع.
تقول السيدة المهذبة وهي تستعيد ذكرى هذا الوالد القرآني تحت عنوان "في دوحة القرآن":
"يطيب لقلبي الرهيف أن يتحدث عن تأثير القرآن الكريم في حياتي علمًا وأدبًا، سلوكًا ومنهجًا.. كيف لا وأنا التي رضعته مع لبن الفطرة الأولى، فغذّى لحمي، وخالط عظمي، وجرى في دمائي جريان الماء في الأنهار، وانساب في حياتي انسياب السواقي في الغدران والقنوات.. هناك، في مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسقط رأسي المدينة المنورة، درجت في حجر أبٍ مختص شغوف بعلوم القرآن الكريم، وموجه في مدارسها الشرعية. ترفرف الأيام والأعمال في أسرتنا حول حلق القرآن الكريم، تعلمًا وتعليمًا، لازمًا لنا، وفعلاً متعديًا لغيرنا.. كان بيتنا روضة من رياض الجنة، رواده وزواره يقصدونه ليتعلموا التجويد، يتلون كتاب الله حق تلاوته، وينالون الإجازات في حفظه وتجويده وإتقانه على مدار ربع قرن أو يزيد، نقعد به ونقوم عنه، حالّين ومرتحلين، تالين وحافظين."
لم يكن والدي -رحمه الله- مجرد عالم بالتجويد والعربية، بل كان القرآن قبضة نور تشع في حياته كلها؛ فإن رضي كافأنا بالقرآن، وإن أخطأنا فلا يفيء من غضبه إلا بحفظ صفحات منه. كنا نتغامز بيننا عند غضبه أو إنزال أي عقوبة علينا أن نهرع لرفع أصواتنا بتلاوة الآيات وتجويدها وتنغيمها، فكان كالطفل يحن إلينا، وسرعان ما يتلاشى غضبه ويحل رضاه وفرحه. ويخفض جناحه تواضعًا لكل طالب يتردد عليه يعلمه كتاب الله، كتاب من عرفه فقد اغترف، ومن لم يعرفه حاد عن الصراط وانحرف. كانت نقطة ضعف والدي هي القرآن الكريم، والحقيقة التي تأكدنا منها عبر الزمن أنها محطة قوته التي يتزود منها لدنياه وآخرته.
في الأسرة، ذكورًا وإناثًا، تأثر كل فرد منا بالقرآن حسب توجهه وميوله؛ فصاحب الصوت الحسن زين صوته بالقرآن، وصار إمامًا في مساجد المدينة يزين به المجالس وتزدان به المنابر، ومن أعطاه ربي الفصاحة كان القرآن قبلته وشفيعه، فكان إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب وسَبَى الأرواح والعقول.
أما مدوّنة الكلمات هذه، فبقيت فترة مشغولة بالدراسة والكتابة، وكنت أقرأ في التفسير ويطول بي المكوث على التدبر أضعاف الحفظ والمراجعة، ثم حطت سفينتي أخيرًا في دوحته النضرة، أتفيأ فيها ظلالًا حانية وقطوفًا شهية دانية، وعزمت على حفظ القرآن الكريم، وانكببت عليه تلاوةً وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا. كنت أشرب من معينه وأنهل من سلسله، وأتضلع من جزالته، فخرج قلمي من شرنقته متضوعًا بجزالة بيانه وعذوبة لفظه وعمق عبارته.
وأنى لأديب أن يُبارك له في بيانه إن لم يكن القرآن رائده وقائده لفلاح الدنيا والآخرة، وذلك وأيم الله هو الفوز العظيم.



