بشراك أيها المبتلى !!

د. أحمد الطباخ
د. أحمد الطباخ

بقلم: د. أحمد الطباخ
خلق الله الدنيا لتكون دار ابتلاء واختبار وتمحيص للخلق، وجعل الخير والشر فتنة، ليرى الصابر المحتسب شيئًا من الجزع والفزع، فقد قال الله تعالى مخاطبًا الخلق: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ سورة البقرة.

اقرأ أيضا| أسوة حسنة لمن!!

والبلاء يكون حسنًا ويكون سيئًا، وهو محنة ليعلم الله، وهو الخبير بخلقه العالم بأحوالهم، المجاهدَ والصابرَ علمَ معاينة حتى يقع عليه الجزاء؛ وليكون المبتلى آيةً لمن بعده فيعلم أنه إنما صبر على هذا حين وضح له الحق، فيوطن نفسه فيكون أبعد من الجزع، وفي ذلك تعجيل ثواب الله على العزم وتوطين النفس، وذلك لون من التربية النفسية لبعض الناس لينال المبتلى من الفضل والخير ما أعده الله لهؤلاء المبتلين؛ لذلك كانت البشارة من الله بالثواب الذي لا يعلمه إلا الله، فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، أي لا بد للصابر أن يلزم نفسه ويحبسها ويرضى بما منحه الله من عطاء، فلا يشتكي وإنما يثبت ثبات من استوثق بما عند الله من العطاء والفضل.
وعلامة ذلك الرضا الذي يتجسد في سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات، ويستعين بربه، فقد قال رسول الله ﷺ: «من أُصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعًا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أُصيب».
ومن الذين صدقوا العهد مع الله فوصلوا إلى درجة المتقين هؤلاء الذين صبروا في البأساء والضراء من شدة وفقر ومرض وزمانة، وكان الثواب العظيم والأجر الكبير لهؤلاء أصحاب الأمراض الذين أقعدهم المرض، فلازموا فراشهم، وظلوا فيه مرضى لا يستطيعون قيامًا ولا وقوفًا، فيقول الله في حديث قدسي: أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشكُ إلى عواده أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، فإن قبضته فإلى رحمتي، وإن عافيته عافيته وليس له ذنب.
قيل: يا رسول الله، ما لحم خير من لحمه؟
قال ﷺ: لحم لم يذنب.
قيل: يا رسول الله، فما دم خير من دمه؟
قال ﷺ: دم لم يذنب.
احمد الله على أن بلاءك لم يكن في دينك، فكل بلاء دون الدين يهون ويصغر إلا الدين، فهو لحمك ودمك، فدينك هو كل شيء فداؤه. ولذلك من أجل رفعة راية الدين اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، إذ كيف تهون الحياة إن لم يكن الدين ثابتًا في القلوب، فهو الذي يهون البلاء ويجعل للصبر مذاقًا وطعمًا، فلا حياة لمن لم يتسلح بالدين.