بقلم: د. أحمد الطباخ
ليس كل الناس من يعرفون قدره، ولكنهم القليل الذي أحبه حبًّا حقيقيًّا، فقدّره وأجله، واتبع هديه وسنته، واتخذه قدوة حسنة؛ إذ هو المثال الأكمل في رحمته وحلمه، وفي قدرته على تقدير الخير العظيم للناس أجمعين.
اقرأ أيضا| رحمتنا ببعضنا طريق رحمة الله !
لقد كثر اللغط هذه الأيام حول سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل شرذمة من أولئك الذين يريدون الناس أن يكونوا "قرآنيين"، وما هم كذلك؛ فكل أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قرآنيون، قد آمنوا بالله وبرسوله، وما أنزل الله من كتابه المعجز. ولكن هؤلاء يرفعون لواء إنكار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدّعون أن القرآن جاء بالدين، فليس يعنينا ما عداه. وقد كذبوا؛ فلا يمكن للدين أن يكون واقعًا معاشًا دون الاقتداء والاحتذاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي جاءت شارحة ومفصلة، وبيانًا واقعيًا لكل ما جاء في القرآن الذي أمرنا الله فيه بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فليست طاعة الله منبتّة عن طاعة رسوله، ولِمَ لا، وهو القدوة الحسنة والأسوة، كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
وفي هذا عتاب من الله لهؤلاء الذين ينكرون سنة رسوله ويخالفونها، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وقدوة، بذل نفسه لنصرة دين الله، وضحّى بكل ما يملك من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. وكيف تستقيم حياة المسلم وتحلو دون التأسي به في حياته: جوعه ومرضه، وجهاده وبذله، وعطائه وسخائه، وصومه وصلاته، وحجه وذكره وعمرته، في مرضه وعافيته، في عبادته وقيامه، وطعامه وشرابه، في شكره لربه ودعائه وخشوعه وورعه؛ يتأسى به فيتعزى به ويتصبر على ملمات الحياة، ويقتدي به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله.
فلقد شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته، وقُتل عمه، وجاع بطنه، ومات ابنه، وأُوذي في بيته وزوجه وبناته، ولم يُلف إلا صابرًا محتسبًا، شاكرًا راضيًا. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجرٍ حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. ولما شُجّت رأسه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وهذه الأسوة لا ينالها إلا من كان يرجو لقاء الله بإيمانه وثباته، ويؤمن بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ويذكر الله خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه. وهذا الخطاب قيل: للمنافقين في كل عصر وزمان ومكان، ممن ينكرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يميعوا الدين ويجعلوه على أهوائهم وخدمة لأعداء الدين. وقيل: الخطاب للمؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر.
واختلف في هذه الأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم: هل هي على الوجوب والإيجاب أو على الاستحباب؟ على قولين:
أحدهما: على الوجوب والإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب.
والثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب.
ويحتمل أن يحمل على الوجوب والإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا.



