بقلم : د. احمد الطباخ
لم تعرف الإنسانية الرحمة بمفهومها العام الشامل الذي غمرها وحولها من بهيمية منفرة إلى إنسانية جاذبة ، ومن قساوة مزرية إلى حنان محبب إلى النفوس كل معاني الجمال والروعة إلا في ظل هذا الدين الذي أنقذها من براثن الوحشية وأنياب التغول إلى رحمة أحاطت المجتمع بأسوار من الجلال والشفقة جعلته يرأف لحاله وحال كل من يتعامل معه ، فقد انتشر الإسلام ، ودب إلى قلوب الخلق قبل أن يحل إلى الأرض والجبل والحجر فتحولت القلوب من قلوب غليظة قاسية إلى قلوب رقيقة عطوفة ، ومن مشاعر منحجرة إلى منبع رقراق يفيض عطفا ورقة ، وذلك بفضل الله الذي حول القلوب بالإيمان ، والنفوس بالاسلام فانشرحت الصدور ، واشرأبت الأعناق لغيث الإيمان الذي سقى القلوب بغيثه ، فكم من رحمة أحيت نفوسا ، وانقذت قلوبا ، وحولت الكفر إلى ايمان لم يكن لسيف أن يفعل فعلها ، ولا لحرب أن تجبر قلوبا على الالتئام ، ولا أن تجبر كسرا أصاب نفوسا ببهتان ، ولكنها رحمة الدين الذي جاء به نبي الرحمة ورسول الهداية ومنقذ البشرية الذي لم يعرف سوى تلك الرحمة ،ولا تخلق إلا بخلق الرحمة ، فأقام مملكة الرحمة في القلوب قبل أن يقيمها على الأبدان ، وأسسها بالعدل الذي هو والرحمة صنوان وخلان لا يفترقان ، بل لا نتجاوز الحقيقة الساطعة إن قلنا : إنهما كالطائر الذي لا يمكن أن يطير إلا بجناحيه ، وما صارت الأمة إلى ما وصلت إليه من انحطاط وانحسار لدورها في مجال التقدم الإنساني إلا لما تخلت عن الرحمة لبعضها ، وفقدت العدل ببن أبنائها ، فلم يعد الكبير يرحم صغيرا ، ولا صغيرا يوقر كبيرا ، إذ إن الإحساس الإيماني انعدم بين الإثنين ، والرحمة افتقدها الصغير فلم يلمسها ، فصارت لغة التعامل الإنساني هو القساوة والغلظة التي تحولت بعد ذلك إلى أحقاد وصراعات تطورت نتيجة لغياب العدالة بمفهومها العام إلى أن صارت جرائم تأخذ أشكالا وصورا منها ما هو جنائي وإرهابي ، ولم تعرف البشرية بأسرها رجلا كمحمد صلى الله عليه وسلم بهر الدنيا بسيرته ، وملأ التاريخ بعظمته ، وشمل الخلق برحمته حتى أثنى عليه القرآن الكريم ثناء عاطرا ثناءا وعته الدنيا ، وسجله التاريخ ، وذكره القران بأحرف من نور ، فقال الله تعالى :"وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ".
وبذلك تحقق في الأمة فضله ، وعم الأنام نفعه ، وسرت في القلوب والأرواح أنوار هدايته ، ولذلك كان الرسول صلي الله عليه وسلم يقول : إنما أنا رحمة مهداة ،
والرحمة من صفات الله العليا ، وأسمائه الحسنى فالله هو أرحم الراحمين ، وهو الذي وسع كل شيء رحمة وعلما ، ورحمته سبقت غضبه ، فأنزل في الأرض جزءا واحدا من تسعة وتسعين جزءا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الناس ، ولكن لن تتحقق هذه الرحمة للخلق إلا إذا تراحم الناس ، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء . الرحمة مطلوبة من كل إنسان لكل من هو دونه ، مطلوبة من الحاكم للرعية ، ومن القائد لجنوده ، ومن القوي للضعيف ، ومن الغني للفقير ، ومن المخدوم للخادم ، ومن الرئيس للمرءوس ، ومن الكبير للصفير ، ومن الطبيب للمريض ، ومن المعلم للتلميذ.
فما ضاقت إلا وفرجت ، ومن فضل الله وكرمه أنه جعل المؤمن يعيش ما بين أمرين لا مناص من وجودهما حتما في الحياة التي لا تدوم حلاوتها ولا مرارتها ، وإنما يلاقي ساعة عسر ، وساعات فرج ويستقبل كلا بالصبر على ما حباه الله من نعم ، وما امتحنه به من منع ، ولكته يؤمن بحتمية الفرج القريب الذي سيأتيه دون أدنى شك يخالج قلبه ، فهو يتلو اناء الليل وأطراف النهار قول الله تعالى :" فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا " ،
فمن رحم المحن تولد المنح ، وأنه لابد لليل أن ينجلي ، ولا بد لقيد العسر ان ينكسر ، وإن ننسى فلن ننسى من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذاق في عام ما لا يطيق أحد أن يتحمله في عام سمي بعام الحزن ، فقد فيه زوجته خديجة رضي الله عنها ، وعمه أبو طالب ، وأوذي خلاله من مشركي مكة صنوفا وألوانا ، فأكرمه ربه وأواه وسرى عنه برحلة الإسراء والمعراج ، ويروى عن الحسن في قوله تعالى :" ان مع العسر يسرا " ، قال خرج النبي صلى الله علبه وسلم يوما مسرورا فرحا ، وهو يضحك ، ويقول لن يغلب عسر يسرين ان مع العسر يسرا .
إن الله عندما يمنع يكون منعه عطاءا ، وعندما يعطي يكون عطاؤه امتحانا ، ولا يملك الممتحن في الحالين سوى أن يسلم أمره لله احتسابا ، وقد الله تعالى في كتابه الكريم : " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم " .
لقد كان من فضل الله ورحمته أن المصاب المحتسب الراضي بقضاء الله وقدره لا يهون عليه فحسب الاختيار أو البلاء المكتوب عليه ، وإنما في ذات الوقت يكرمه الله ويعوضه خيرا ، وقد صان الله المؤمن من التردي في مهاوي الذلة والضعة ، فلا يفرج الكروب الا الله ، ولا يزيح الهموم إلا رب الأرض والسماء ، فلا يستطيع أحد أن يرد خيرا أراده للإنسان فهو القائل في كتابه الكريم : "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ".
وقد كان السلف يناجون مفرج الكروب بقولهم يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك ، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك ، وكان النبي صلى الله عليه ويسلم يقول لهم كما قال لابن عباس رضي الله عنهما : احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا.
وما أروع ما قال الشاعر المستشار سعيد عبد الوهاب :
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
ابشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه
لا تيأس فإن الصانع الله
إذا بليت فثق بالله وأرض بقضائه
إن الذي يرفع البلوى هو الله
والله ما لك غير الله من أحد
فحسبك الله وفي كل لك الله



