كتبت: رقية خالد
خلال السنوات الأخيرة، انتشرت بشكل واسع صفحات وتطبيقات ومجموعات مغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، تقدم خدمات "الاستشارات" في العلاقات الأسرية والعاطفية.
الآلية بسيطة: أرسل مشكلتك… وسيأتيك الرد. لكن خلف هذه البساطة، يكمن سؤال خطير: من الذي يرد؟ وعلى أي أساس؟
نصائح في دقيقتين… وقرارات عمر كامل

من خلال رصد عدد من هذه الصفحات، يتضح نمط متكرر في الردود: نصائح سريعة، حادة، وأحيانًا صادمة:
"سيبيه فورًا" "اطلبي الطلاق" "اقطعي علاقتك بأهلك".
قرارات مصيرية… تُكتب في سطرين، دون معرفة حقيقية بطبيعة العلاقة أو خلفيات الأطراف.
"سكرين شوت".. بداية طريق الابتزاز
يحذر الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، من أن الخطر لا يتوقف عند حدود النصيحة، بل يمتد إلى تهديد مباشر للمستخدمين: "الخطأ إن الشخص بيعرض مشكلته على الملأ قدام ناس مجهولين… أحيانًا بالأسماء والتفاصيل، وده بيفتح باب للابتزاز."
ويكشف "فرويز" عن حالات حقيقية تعامل معها داخل عيادته، قائلًا: "في بنات جاتلي قالت إن حد خد سكرين شوت من قصتها وابتزها… يا تدفعي يا نفضحك قدام أهلك." هنا تتحول "الفضفضة" من محاولة للراحة النفسية إلى سلاح ضد صاحبها.
فالمشكلة ليست فقط في المحتوى… بل في هوية من يقدم النصيحة، يقول متسائلًا: "إزاي تثق في حد مجرد كاتب إنه أخصائي نفسي؟ السوشيال ميديا مش معيار للثقة."
فأي شخص يمكنه إنشاء حساب وكتابة "استشاري علاقات" أو "دكتور نفسي"، دون أي دليل حقيقي، ويضيف: "في ناس بتدي نصايح عشان تزود مشاهدات وتدي لنفسها قيمة… وده نوع من النصب."
بين النصب والطمع… ضحية تبحث عن حل سريع

يضع فرويز الظاهرة في إطار نفسي أعمق: "اللي بيقدم النصيحة عايز شهرة ومشاهدات، واللي بيسأل بيدور على حل سريع بأقل مجهود… الاتنين زي طرفين مقص."
هذا التلاقي بين "باحث عن مكسب" و"باحث عن مخرج سريع" يصنع بيئة مثالية لاستغلال المشاعر.
من الاكتئاب إلى خراب البيوت
لا تقف النتائج عند حدود النصائح الخاطئة، بل تمتد إلى تداعيات نفسية واجتماعية خطيرة:
"النصايح دي ممكن توصل لاكتئاب، أو خراب بيوت، أو مشاكل في الشغل والأسرة… وأحيانًا إيذاء النفس."
ويؤكد فرويز أن تقديم أي نصيحة حقيقية يتطلب تحليلًا عميقًا:
"مفيش حاجة اسمها نصيحة في كلمتين… لازم تحليل لشخصية الطرفين وفهم خلفياتهم، وده عمره ما بيحصل على السوشيال ميديا."
القانون يدخل على الخط: "انتحال صفة"
من جانبها، تؤكد المحامية نهى الجندي أن هذه الظاهرة لا تخلو من شق قانوني واضح: "أي شخص بيقدم نصائح وهو غير مختص، ده في القانون يُعد انتحال صفة."
وتوضح أن الأمر لا يتوقف عند الادعاء فقط، بل قد يصل إلى العقوبة: "لو ثبت وجود ضحايا أو أضرار، العقوبة ممكن تكون الحبس والغرامة، حسب تقدير المحكمة."
نصب مقنن… واستغلال للمشاعر
تكشف الجندي عن جانب آخر من الظاهرة، وهو تحقيق الربح من خلال هذه الصفحات: "في ناس بتدعي إنها حاصلة على دكتوراه وهي مجهولة، وهدفها الكسب السريع."
وفي بعض الحالات، يتحول الأمر إلى نصب صريح: "الحصول على أموال مقابل استشارات غير حقيقية يُعد نصبًا واحتيالًا… زي الدجالين بالضبط."
بين الجريمة والأسرة… خيط رفيع
تؤكد الجندي أن خطورة الظاهرة تتجاوز الفرد لتصل إلى المجتمع:
"حل المشاكل الأسرية بشكل صحيح ممكن يقلل من معدلات الجريمة… لأن في جرائم بتحصل بسبب خلافات أسرية."
بمعنى آخر: نصيحة خاطئة… قد لا تهدم علاقة فقط، بل قد تكون بداية لسلسلة من الأزمات.
من المسؤول؟
في ظل غياب الرقابة، وسهولة إنشاء الحسابات، يبقى السؤال معلقًا:
هل المسؤول هو "الخبير الوهمي"؟
أم المستخدم الذي وثق في مصدر مجهول؟
الإجابة ربما تكمن في الاثنين معًا، لكن النتيجة واحدة: خسائر إنسانية حقيقية.



