بقلم: أيمن أحمد عبدالجليل جراد الأزهري
من المثير للشفقة أن يُسلّم البعض عقولهم وأجسادهم لفرضيات تُصادم صريح العلم وصحيح الدين، تحت لافتة "التحرر من المؤامرة". وحين نُعمل العقل النقدي، نكتشف المفارقة الكبرى: الذين يظنون أنهم يهربون من مؤامرة شركات الأدوية، يسقطون طواعية في شباك مؤامرة أخطر؛ مؤامرة تدمر عقولهم وصحتهم وثوابتهم.
اقرأ أيضا| حكم بنوك الأنسجة والخلايا الجذعية
من المستفيد الحقيقي؟
يدّعي أتباع هذا النظام أن "مافيات الأدوية" تحاربه لحماية أرباحها، وتلك مغالطة ساذجة؛ فسوق الدواء العالمي يتجاوز 1.5 تريليون دولار، ولن تهزه بضعة آلاف يتبعون نظامًا غذائيًا محدودًا.
بل على العكس، هذا الفكر يخدم تجارة المرض على المدى البعيد؛ فحرمان الجسم من الأغذية الأساسية يورث أمراضًا مزمنة وانهيارًا في الأعضاء، ليعود المريض في النهاية إلى الأطباء كـ"فريسة سهلة" في حالة حرجة لا ينفع معها إلا التدخل الطبي المضاعف.
جناية تجريم الحلال وتبرير الخبائث
يقوم هذا النظام على تحريف صريح للشرع والعلم عبر قلب الموازين: تحريم ما أحل الله؛ فيمنعون الناس من الألبان التي امتدحها الله تعالى بقوله: {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}، ومن الدواجن واللحوم التي أباحها الله وأكل منها النبي ﷺ، ومن الخضراوات الغنية بالألياف والمعادن. وهذا الحرمان يسبب هشاشة العظام، والأنيميا، وانهيار المناعة.
وفي المقابل، يتساهل هذا الفكر مع التدخين والسكريات في تناقض صارخ.
هدم التداوي
إن الدعوة لترك الدواء والطب هي دعوة للهلاك، وتخالف أصول الإسلام؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً».
والتداوي من قدر الله، والامتناع عنه مع المرض إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة التي نهى الله عنها بقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
صناعة مجتمع مهزوز وموسوس
المؤامرة هنا لا تضرب الجسد فقط، بل تستهدف العقل والروح:
عقائديًا: يزرع البلبلة بتحريم المباحات، والافتراء على الدين بغير علم، مستحقًا وعيد قوله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}.
نفسيًا: يحول المتبع له إلى شخص مضطرب، يشك في كل طعام، ويوسوس من كل دواء، فاقدًا للثقة في العلم والدين، ليكون الناتج مجتمعًا متهالكًا يسهل قياده.
خلاصة الرسالة
إذا كانت المؤامرة تعني محاولة تدمير الأمة، فليس هناك مؤامرة أوضح من فكر يهدم ثوابت الدين، وينبذ العلم والطب، ويحرم الطيبات ويبيح الخبائث. كفى جريًا خلف أوهام النجاة الزائفة، فالطريق الذي يبدأ بمحاربة العلم وتحريم ما أحل الله، لا ينتهي إلا بالمرض والهلاك.



