بقلم: الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الحمد لله الذي أرسل سيدنا محمداً ﷺ رحمة للعالمين، فما كان فظاً ولا غليظاً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي جعل الدين كله يسراً وسماحة، صلى الله عليه وعلى آله وسيدنا الصديق وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وسائر الصحابة وآل البيت (رضي الله عنهم وعليهم السلام)؛ وبعد؛
أيها الأحبة، أخاطبكم بقلب مشفق على حالنا، وبلسان يبحث عن كلمة تجمع لا تفرق. دعونا نجلس جلسة صدق، ونتحاور حوار الروح مع الروح:
يا أخي الكريم ياصاحب القسوة والتشدد .. إلام هذا التشدد؟
أسألك بلا هجوم، ولكن بصدق المحب: لماذا ترى الدين سوطاً يُجلد به ظهر الناس؟ أليس الله عز وجل هو القائل لنبيه ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}؟ هل تخيلت يوماً أنك بهذه الغلظة تكون سبباً في نفرة العباد عن باب الله؟
تأمل معي موقف سيدنا رسول الله ﷺ، وقد دخل أعرابي المسجد فبال فيه، فثار الصحابة، لكن سيدنا رسول الله ﷺ، بنور نبوته ورحمته، قال: "دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
أرأيت؟ هذا هو الدين، رفق في موضع الخطأ، لا تعنيف ولا تشديد.
يا من نصبت نفسك حكماً على القلوب!!
ألم يأتكم الخبر عن سيدنا أسامة بن زيد (رضي الله عنهما)؟ حين قتل من قال "لا إله إلا الله" ظناً منه أنه كاذب، فما كان من سيدنا رسول الله ﷺ إلا أن قال له: "أقتلتَه بعد ما قال لا إله إلا الله؟" ووضع له اعظم قاعدة ينبغي ان نحفظها "هلا شققت عن قلبه ".
اقرأ أيضا: الْبَرَكَةُ.. جُنْدُ اللَّهِ الْخَفِيُّ فِي حَيَاتِكَ
يا أخي، من أخبرك أنك تعلم ما في القلوب؟ قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ}. لماذا تنصب نفسك خازناً للجنة، تُدخل من تشاء وتُخرج من تشاء؟
تعالوا لنتأمل قصة سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مع رجل جاء يشتكي زوجته، فسمع صوتها يرتفع على سيدنا عمر، فتعجب الرجل، فخرج ، فهلمه سيدنا الفاروق هذه القاعدة المهمه ايضا فقال: "إنها تحملني، وتطبخ طعامي، وتغسل ثيابي، وتُرضع ولدي...".
ألا ترون كيف كان سيدنا عمر (رضي الله عنه) يفتح قلبه للرحمة والتفهم، بدلاً من التشدد وإصدار الأحكام الجاهزة؟
وهذه قصة أخرى؛ جاء رجل إلى سيدنا رسول الله ﷺ يطلب الإذن في الزنا، فصاح به الناس، فقال سيدنا رسول الله ﷺ: "قربوه"، فأجلسه بين يديه، وبدأ في حواره بالعقل والمنطق والحكمه والرحمه ايضا
وقال له: "أتحبه لأمك؟" قال: لا، قال: "أتحبه لابنتك؟" قال: لا، حتى عدد له المحارم، ثم وضع يده على صدره وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه". فلم يعد الرجل بعدها يلتفت لشيء من ذلك. انظروا كيف عالج سيدنا النبي ﷺ الانحراف بالرحمة لا بالقسوة والضرب!
يا من ضللت طريق الرحمة
لا تنس أنك أيضاً خطاء، وأنك لولا ستر الله عز وجل عليك لُفضحت. تذكر سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ذاك العملاق في الإيمان، كيف كان يرتجف خوفاً من أن يكون مع المنافقين الذين سماهم سيدنا رسول الله ﷺ لسيدنا حذيفه . إن التدين الصحيح يبدأ بخوفك على نفسك، لا بالتفتيش في عيوب الناس.
نصحيتي لك اخي :
1. توقف عن إصدار الأحكام على نوايا الناس؛ فليس لك سلطان على ما في الصدور.
2. ضع نفسك مكان المخطئ قبل أن تعنفه؛ وتذكر خطاياك التي سترها الله عليك.
3. التزم بمنهج "الرفق" في كل حوار؛ فالكلمة الطيبة تفتح القلوب المغلقة.
4. ابحث عن أعذار لمن حولك؛ فالله عز وجل يحب العبد الذي يلتمس الأعذار لعباده.
5. اجعل شغلك الشاغل إصلاح نفسك وتزكيتها؛ ففي ذلك كفاية عن تتبع عورات الغير.
ماذا بعد.. سؤالي الأخير لك
يا صديقي، أُسائلك بمصارحة: ماذا بعد هذه الشدة؟ أين الثمرة؟ هل رأيت قلباً لان بسبب قسوتك، أم رأيت عقولاً شردت وقلوباً تجمدت؟ إن الرحمة التي في قلبك هي التي ستحيي نفوس الناس، لا سياط لسانك. يا من تدعو إلى الله عز وجل، كن مفتاحاً للخير لا مغلاقا له. كن بلسماً للجراح لا ملحاً عليها.
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واهد قلوبنا وقلوب من خالفونا إلى سواء السبيل.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والهداية



