حكم بنوك الأنسجة والخلايا الجذعية

 أيمن أحمد عبدالجليل جراد الأزهري
أيمن أحمد عبدالجليل جراد الأزهري

بقلم: أيمن أحمد عبدالجليل جراد الأزهري
في عصرٍ يشهد تطورًا طبيًا غير مسبوق، برزت الخلايا الجذعية كأحد أهم الاكتشافات العلمية التي فتحت آفاقًا جديدة لعلاج أمراضٍ كانت تُعدّ في السابق مستعصية أو ميؤوسًا منها. ومع هذا التقدم، ظهرت ما يُعرف بـ"بنوك الأنسجة"، وهي مؤسسات متخصصة في حفظ الخلايا الجذعية، خاصة تلك المستخرجة من الحبل السري بعد الولادة، لاستخدامها مستقبلًا في العلاج. لكن هذا التطور الطبي أثار تساؤلات جوهرية حول مشروعيته من الناحية الشرعية.
الخلايا الجذعية هي خلايا أولية تمتلك القدرة على التحول إلى أنواع مختلفة من خلايا الجسم، مثل خلايا الدم أو الأعصاب أو العضلات. وتُستخرج هذه الخلايا من مصادر متعددة، أهمها: الحبل السري، والنخاع العظمي، والدم، بل وحتى الأجنة في مراحل مبكرة. ويُعدّ الحبل السري المصدر الأكثر أمانًا وغنىً بهذه الخلايا، إذ يحتوي على ملايين الخلايا القابلة للاستخدام دون إلحاق ضرر بالأم أو المولود.
من هنا نشأت فكرة "بنوك الأنسجة"، حيث يتم جمع هذه الخلايا وحفظها في ظروف دقيقة تضمن بقائها صالحة للاستخدام لسنوات طويلة قد تصل إلى 25 عامًا أو أكثر. ويمكن لصاحب هذه الخلايا أن يستفيد منها مستقبلًا إذا أُصيب بمرض، كما يمكنه التبرع بها لغيره، مما يعزز مبدأ التكافل الإنساني.
لكن، وعلى الرغم من هذه الفوائد الطبية الكبيرة، فإن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط واضحة تحكم هذا المجال، حرصًا على حفظ كرامة الإنسان ومنع التعدي عليه. فقد أجازت المجامع الفقهية استخدام الخلايا الجذعية إذا كان مصدرها مباحًا، مثل الحبل السري أو من جسم الإنسان نفسه، بشرط عدم إلحاق الضرر به، والحصول على إذنه أو إذن وليه إن كان قاصرًا.
وفي المقابل، شددت هذه المجامع على تحريم بعض الممارسات المرتبطة بالخلايا الجذعية، مثل إجهاض الأجنة عمدًا بهدف الحصول على الخلايا، أو إجراء تلقيح صناعي بين متبرعين لاستخراج أجنة لهذا الغرض، أو اللجوء إلى الاستنساخ العلاجي. كما حرّمت تحويل هذه العمليات إلى تجارة، لما في ذلك من امتهان لكرامة الإنسان واستغلال لحاجات المرضى.
وتؤكد هذه الضوابط أن الإسلام لا يقف في وجه التقدم العلمي، بل يشجعه ويدعمه ما دام في إطارٍ أخلاقي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه. فالعلم في المنظور الإسلامي وسيلة لعمارة الأرض وخدمة الإنسان، وليس أداة للعبث أو الاستغلال.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن بنوك الأنسجة تمثل نموذجًا متوازنًا بين التقدم الطبي والالتزام الشرعي، حيث تتيح الاستفادة من أحدث ما وصل إليه العلم دون التفريط في القيم والمبادئ. ويبقى التحدي الحقيقي في ضمان الالتزام بهذه الضوابط من خلال رقابة مؤسسات موثوقة تجمع بين الخبرة الطبية والأمانة الشرعية.

 

ترشيحاتنا