هكذا تكون الأم الحقيقية

نيفين ياقوت
نيفين ياقوت

بقلم: نيفين ياقوت
سأروي لكم قصة حقيقية لامرأة عاشت في أوائل القرن التاسع عشر، ظلمتها الظروف وهزمتها الحياة، لكنها صمدت وتصدّت للهزيمة وحولتها إلى نصر، وأنقذت نفسها وابنها. هي رائدة قوية أثبتت للعالم كله أن الفقر ليس فقر المال، بل فقر الإرادة والعزيمة، وأن البطولة الحقيقية تكمن في ترويض النفس ومواجهة الظروف الشرسة وتطويعها لخدمتها. إنها قصة مبروكة الفلاحة المصرية البسيطة، من إحدى قرى محافظة كفر الشيخ.

اقرأ أيضا| دين الفطرة

تزوجت مبروكة من أحد الفلاحين، وكان يعمل أجيرًا باليومية، وبسبب ضيق الحال تخلى عنها وطلقها رغم أنها كانت حاملًا في الشهور الأخيرة. انتقلت مبروكة مع والدتها وأخيها إلى الإسكندرية، وأنجبت ابنها وأسمته "علي"، وقررت أن تفعل كل ما بوسعها لتربيته وتعليمه على أحسن وجه.
ورغم أنه كان لديها مائة سبب وسبب لتندب حظها وتَحقد على الرجال، وتصب غضبها على ابنها وتستغله وتجعله يعمل بالأجرة ليساعدها، أو تقدم على قتل نفسها أو قتل ابنها كما تفعل بعضهن تلك الأيام، لكنها أم حقيقية قررت أن تعمل لتنفق على ابنها، فعملت بائعة جبن في شوارع الإسكندرية، وأدخلت ابنها "عليّ" مدرسة رأس التين الأميرية.
وبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية، جاء الوالد الظالم ليأخذه ليوظفه بها، لكن حلمها كان أكبر بكثير، فقامت بتهريبه من سطح بيتها إلى سطح البيت المجاور، وهربت به إلى القاهرة، وأدخلته المدرسة الخديوية، وعملت لدى أسرة السمالوطي لتستطيع أن تنفق على تعليمه.
تفوق عليّ في دراسته، واستطاع دخول مدرسة الطب عام 1897، وتخرج فيها عام 1901، وعمل طبيبًا جراحًا، وتميز في عمله وذاع صيته، فكان هو الدكتور "علي إبراهيم".
وبعد 15 عامًا، مرض السلطان حسين كامل، واحتار الأطباء في مرضه، حتى اقترح عالم البيولوجي الدكتور عثمان غالب على السلطان اسم الدكتور علي إبراهيم، فاستطاع علاجه وأجرى له جراحة خطيرة وناجحة، فعينه السلطان طبيبًا خاصًا له ومنحه رتبة البكوية.
ومنحه الملك فؤاد الأول رتبة الباشاوية، وبعد عدة أعوام تم انتخاب الدكتور علي باشا إبراهيم أول عميد مصري لكلية الطب بجامعة فؤاد الأول، ثم أصبح بعدها رئيسًا للجامعة، وفي عام 1940 تم تعيينه وزيرًا للصحة، وفي نفس العام أسس علي باشا إبراهيم نقابة الأطباء وأصبح نقيب الأطباء الأول في تاريخها، كما أصبح عضوًا في البرلمان المصري.
هذا هو علي إبراهيم، ابن مبروكة الفلاحة الأمية المطلقة. فلا تستسلمي أيتها الأم المظلومة التي تعيش ظروفًا مشابهة لما عاشته مبروكة، لكنها بفطرتها السليمة ورجاحة عقلها، رغم أميتها، نجحت في تجاوز الظلم وصناعة المعجزات.

 

ترشيحاتنا