محمود سلامة.. طوّع الثلث لكتابة المصحف
تربع على عرش التكريمات.. وأعماله أبهرت العالم من إيطاليا إلى مآذن القاهرة
عبد الناصر انبهر بريشته منذ اللحظة الأولى .. واختاره "قلمًا" لجريدة الجمهورية
زوج ابنته: بدأت رحلته بنبوءة في كُتّاب القرية .. وتوجت بالجائزة الملكية
مقتنياته "كنز قومي".. وتدشين متحف يحمل اسمه واجب وطني
بين "كُتّاب" القرية الذي شهد ميلاد موهبته عام 1919، وبين مآذن القاهرة التي ودعته عام 2017، يمتد قرن من الزمان لم يكن فيه محمود إبراهيم سلامة مجرد خطاط ، بل كان "حارسًا" لجماليات الحرف العربي، ومؤرخًا له بالصبر والريشة.
حلت أمس ذكرى ميلاد "شيخ الخطاطين المعاصرين"، الذي عرف كأحد أبرز القامات العربية في هذا الفن، حيث تضمن إنتاجه أعمالا متنوعة، وكتبا للصحف والمجلات المصرية الكبرى، وحصد أرفع الجوائز العالمية.
وبهذه المناسبة ، قام موقع " اللواء الإسلامي" برصد كواليس من حياة الراحل، يرويها صهره الكاتب ومؤرخ الحرف العربي، محسن عبد الفتاح، الذي انغمس في أسرار هذا الفن بصحبة والد زوجته، ووثق هذه المسيرة في كتابه القَيّم "شيخ الخطاطين محمود إبراهيم" الصادر عن دار الشروق فى طبعته الأولى 2021.
بدأت رحلة الفنان الراحل من قرية "المسلمية" بالزقازيق؛ التحق بكُتَّاب القرية، ولاحظ شيخ الكُتَّاب جودة خط تلميذه، فكان يستحثه على عرض ما يكتبه أمام أقرانه ليتعلموا منه، تواصلت المسيرة التعليمية في المدرسة الأولية بقرية "بني عامر"، القريبة بعدة كيلومترات من قريته ، ثم شد الرحال إلى القاهرة ليلتحق بمعهد المعلمين، وفي أروقته لاحظ مدرس اللغة العربية انشغال الطالب بالكتابة بدلاً من الانتباه للشرح، لكن الغضب تحول إلى نصيحة أبوية حين رأى المدرس جمال الخط ، فقال له: "ما دمت تهوى هذا الفن، فالتحق بمدرسة تحسين الخطوط الملكية".
التفوق الملكي
وبالفعل، استطاع "سلامة" بجهد استثنائي الجمع بين دراسته الصباحية والمسائية، ليتخرج عام 1939 متصدراً دفعته، ونال عن لوحة تخرجه "جائزة ملكية" قدرها خمسة جنيهات، ونُشر خبر تفوقه بصورته في جريدتي الأهرام والمصري، ليعقب ذلك بنيل دبلوم الزخرفة والتذهيب بعد دراسة متخصصة لعامين.
بدأ حياته العملية مدرساً للخط، ثم انتقل لوظيفة خطاط بمكتب النائب العام بوزارة العدل، غير أن اللقاء بالصحفي الكبير جلال الدين الحمامصي كان نقطة التحول الكبرى؛ حيث طلب منه كتابة أول "مانشيت" للصفحة الأولى بالجريدة ، فانبهر بدقته لدرجة أنه طالبه بالاستقالة الفورية من وزارة العدل والالتحاق بالجريدة بضعف راتبه الحالي.
لقاء ناصر
ويحكي محسن عبد الفتاح عن اللقاء التاريخي الأول لشيخ الخطاطين بالرئيس جمال عبد الناصر في مكتب رئيس التحرير حسين فهمي، قائلاً: « عندما دخل محمود إبراهيم سلامة ببروفة المانشيت ، كان عبد الناصر واقفًا يتحدث مع حسين فهمى عن رؤيته لما يريد من خطوط متميزة للعدد الأول، وبالرغم من أن ظهره كان للباب فقد انتبه عند دخوله المكتب، وبعد أن نظر لى حسين وأذن له بالدخول، وجد نفسه وجهًا لوجه مع الرئيس عبد الناصر الذى همَّ بمصافحته، ونظر إلى الصفحة الأولى للعدد التجريبى بعد أن أخذها من يده وقال موجهًا حديثه إلى رئيس التحرير بابتسامة رضا: هذا هو نوع الخط الذى نريد!، وانطلقت حينها جريدة "الجمهورية" كأول صحيفة يومية للثورة، ليكون محمود سلامة هو المسؤول الأول عن قسم الخط الفني بها تحت إدارة أنور السادات.
التسلح بالثقافة
حينما أدرك الراحل " محمود سلامة" أن عالم الصحافة يجمع كبار المثقفين والسياسيين، فرأى أن الموهبة وحدها لا تكفي؛ لذا قرر العودة لمقاعد الدراسة بنظام "المنازل"، فنال شهادة الكفاءة ثم البكالوريا، وتعلم الإنجليزية والفرنسية، وتوج رحلته بالتخرج في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) عام 1952، ليجمع بين ريشة الفنان وعقل المثقف.
اقرأ أيضا| لوحة وخطاط (6)
عبر قرن من العطاء، قدم "سلامة" 6 نسخ من المصحف الشريف. كُلف من قِبل وزير العدل والشؤون الدينية الليبي بكتابة أول مصحف بعد عام 1969، كما كتب نسخة أخرى لـ"دار الشروق" بطلب من مؤسسها محمد المعلم الذي قال له بوطنية: "مصر أولى بخطاطيها".
إعجاز الثلث
ويظل الإنجاز الأبرز كونه المصري الوحيد الذي خطّ المصحف الشريف بخط "الثلث" (تاج الخطوط وأصعبها هندسة)، حيث قدم مصحفاً ملوناً، ثم توج مسيرته في سن السادسة والتسعين بكتابة مصحف سادس بمقاس فريد (100 سم × 70 سم)، وهو قياس لم يُرَ مثله منذ عهد المماليك.
أضواء السينما
تجاوز إبداع "سلامة" الحدود؛ فقد استضافته لندن لكتابة عناوين أفلام المخرج العالمي مصطفى العقاد «محمد رسول الله ـ الرسالة»،و«أسد الصحراء ـ عمر المختار».
وفي ليبيا، تعرف شيخ الخطَّاطين علي رائدات الحركة الوطنية النسائية الليبية، خديجة الجهمى، التى قررت أن تستعين به لإصدار مجلة للأطفال بعنوان «الأمل»، وتكون صفحاتها بألوان براقة وموضوعات متميزة، كأول مجلة تخرج إلى النور فى زمن الثورة الليببية الوليدة، ليقبل شيخ الخطَّاطين العرض ويبدأ يزين صفحاتها بخطوطه الجميلة، وأصبحت المجلة الأولى على مستوى الوطن العربى التى تُكتب سطورها بخط اليد من الغلاف إلى الغلاف، لينطلق بعدها إلى المساهمة فى تأسيس معهد ليبى لتعليم الخط وفنونه مع زملائه، ويتخرج على يديه عدد من الخطَّاطين المرموقين عربيًا منهم: الخطاط محفوظ البوعيشى، وعلى المصراتى.
تكريم عالمي
وفي عام 2000، فاز كتاب "حياة محمد في عشرين قصة" بجائزة عالمية في معرض "بولونيا" بإيطاليا، حيث وصفت لجنة التحكيم خطوط محمود إبراهيم بأنها جسدت "عظمة الثقافة العربية"، صدر الكتاب عن دار الشروق، لرائد أدب الطفل الراحل عبد التواب يوسف، وتناول سيرة الرسول ﷺ على ألسنة المخلوقات من نبات وحيوان، وطير وجماد، وأجاد تصويرها رسمًا الفنان التشكيلى صلاح بيصار، كما تزين العمل بدءًا من الغلاف، مرورًا بالعناوين الداخلية المصاحبة للعشرين قصة بخطوط شيخ الخطَّاطين، فزاد العمل بهاء.
كما لا ننسى لوحته الفنية لاسم الأديب "نجيب محفوظ" بخط الثلث، والتي اعتمدتها دار الشروق أيضا كبصمة رسمية على جميع مؤلفات أديب نوبل، لتصبح رمزاً لا يضاهى.
صياغة الحلي
لم يكتفِ شيخ الخطاطين بالورق، بل تعاون مع مصممة الحلي العالمية "عزة فهمي"، فكان يحول الكلمات إلى رسوم كروكية دقيقة تُحفر على المعادن، فدبت الحياة في جمل مثل "الله محبة" و"القلب يعشق كل جميل" في قوالب ذهبية وفضية.
تكريم مستحق
وفي سنواته الأخيرة، حظي بتكريمات مستحقة؛ حيث كرمته نقابة الصحفيين في عيدها الماسي، واختاره معهد المخطوطات العربية "شخصية العام" في 2016، كما احتفت دار الكتب والوثائق المصرية بسادس مصحف خطه بيده ليكون مرجعا للأيام القادمة.
الأمنية المعلقة
رحل شيخ الخطاطين المعاصرين "محمود إبراهيم سلامة" في السادس من أكتوبر 2017، رحل جسداً وبقي إرثاً حياً، ويبقى الأمل قائماً في تحقيق أمنية محبيه بإنشاء "متحف مستقل" يجمع كنوز هذا العبقري ورفاقه، ليكون مرجعاً ملهماً لأجيال المستقبل من عشاق الخط العربي.











