بقلم: د. محمد سالمان
تعدّدت الآيات القرآنية التي ذكرت مصر وأهلها، فقد ذُكرت صراحة في خمسة مواضع، كقوله تعالى: " ..ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ " [يوسف: 99]، وذُكرت تلميحًا في نحو أكثر من ثلاثين موضعًا، وكذلك تعدّدت الأحاديث النبوية في شأن مصر، منها قوله ( ﷺ ): ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لكم منهم ذمّة ورحمًا (أخرجه مسلم)، وقال أيضًا: إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض. قال أبو بكر: ولِم يا رسول الله؟ قال: "لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة" (أخرجه ابن عبد الحكم وغيره).
وفي التوراة مكتوب: "مصر خزائن الأرض، من أرادها بسوء قصمه الله".
وعنها قال سعيد بن أبي هلال: اسم مصر في الكتب السالفة "أم البلاد"، وقال عبدالله بن عمرو: أهل مصر أكرم الأعاجم، أسمحهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا بالعرب عامة، وبقريش خاصة. وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر، فقيل له: ولِم؟ قال: لأنها معافاة من الفتن، من أرادها بسوء كبّه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهلها. وقال أيضًا: ومن أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر حين تُزخرف.
ولمصر فضائل كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، وُلِد بها موسى وهارون ويُوشع بن نون ودانيال وأرميا ولقمان، وجاءها يوسف ويعقوب والمسيح عليهم السلام. لهذا تعدّدت المؤلفات حول فضائل مصر وأهلها، من تلك المؤلفات: " فضائل مصر المحروسة " لعمر بن يوسف الكندي، و" فضائل مصر وأخبارها وخواصها " لابن زولاق، و" حُسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة " للسيوطي، وغيرها.
ومن تلك الكتب كان " الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة " لابن ظهيرة. وردت فكرة الكتاب استجابة لسؤال بعض الأصدقاء الذين ألحّوا عليه أن يجمع فضائل مصر، لذا نراه يقول في المقدّمة: " لقد سألني بعض الإخوان في جمع شيء يتعلّق بذلك، فشرعتُ في جمع فصول ملخّصة مفيدة، تشتمل على فوائد عديدة، وغرائب مزيدة، وأطراف وطُرف وعيون وتُحف، أذكر فيها ما اشتمل عليه إقليم مصر من مبتدأ أمره، وأسماء ملوكه، وفضائله، وعجائبه، ومحاسنه، وغرائبه، وما اختصّ به هو وأهله عن سائر بلاد الله ".
رتّب الرجل كتابه على مقدّمة وتسعة عشر فصلًا وخاتمة، ذكر فيه مبدأ مصر وأول أمرها وحدودها، وذكر ملوكها وحكّامها قبل الطوفان إلى زمن السلطان مراد في الدولة العثمانية، وتناول مدنها، وما ورد عن مصر في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، ودعاء الأنبياء لها وأهلها، ومن وُلِد بها من الأنبياء والحكماء والعلماء، وتناول فتح مصر ومساجدها الشريفة، وبعض عاداتها الاجتماعية. ويُلاحظ أن ابن ظهيرة اقتبس كثيرًا ممن تقدّموه من رواد الخطط المصرية وتاريخ مصر الإسلامية، كابن عبدالحكم، والكندي، وابن زولاق، والقضاعي، وشيخه تقي الدين المقريزي.
ويُعدّ كتاب " الفضائل الباهرة " بمثابة اختصار دقيق لكتاب " الخطط والآثار " للمقريزي، باستثناء الفصلين الأخيرين، فإنهما من ابتكار المؤلف. غير أن أهمية الكتاب تكمن في تلك الاقتباسات العديدة التي أخذها المؤلف من مصادر لا وجود لها الآن، فقد ضاعت تلك المصادر مع ما ضاع من تراثنا العربي، مثل كتاب " تاريخ مصر الكبير " و" خطط مصر " وكلاهما لابن زولاق، وكذلك كتاب " خطط مصر " للقضاعي وغيرها من كتب مفقودة.
ولكن يُلاحظ على الكتاب أن بعض رواياته تفتقد إلى الدليل العلمي، فبعضها قد ورد بلا سند ولا دليل يعضدها، كقوله - مثلًا - عن فرعون موسى إنه ملك مصر خمس مائة عام، وكان قصيرًا وطول لحيته سبعة أشبار، وكذلك كان الفصل الخاص بغرائب مصر وعجائبها الذي يضمّ روايات غير منطقية. والحقّ أن هذه الروايات تمتلئ بها كتب تاريخ المدن عامة، وليس كتاب " الفضائل الباهرة " غير نموذج لتلك الكتب التي تختلط فيها الروايات الصحيحة المُسندة بالأساطير والحكايات الشعبية.
أما ابن ظهيرة فهو اسم لثلاثة أشخاص عاشوا في فترة زمنية واحدة، ونظرًا لأن مؤلّفنا تتلمذ على يد تقي الدين المقريزي، فيُرجّح أن يكون هو أبو إسحاق، برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن ظهيرة، المولود عام ٨٢٥، والمتوفّي عام ٨٩١ للهجرة الشريفة.



