الإلحاد رحلة التمرد والهروب

ضغوط نفسية .. فوضى رقمية وضعف الوعى الدينى

صورة توضيحية
صورة توضيحية

في ظل عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات الفكرية، وتتداخل فيه مصادر المعرفة بين الصحيح والمغلوط، برزت ظاهرة الإلحاد كإحدى القضايا التي فرضت نفسها بقوة على الساحة المجتمعية، خاصة بين فئة الشباب وطلاب المدارس الثانوية الباحثين عن المعنى واليقين في حياتهم. ولم شتعد هذه الظاهرة نتاج قناعات فلسفية عميقة بقدر ما أصبحت، في كثير من الأحيان، انعكاسًا لأزمات فكرية ونفسية، ونتيجة مباشرة لخطابات إعلامية غير منضبطة، ومحتوى رقمي مفتوح يختلط فيه الرأي بالعلم، والشبهة بالحقيقة.
ويأتي هذا الملف ليفتح نقاشًا هادئًا وعميقًا حول أسباب انتشار هذه الظاهرة، من خلال قراءة متأنية في العوامل الاجتماعية والثقافية والإعلامية التي أسهمت في تغذيتها، إلى جانب استعراض أبرز الجهود المبذولة لمواجهتها، سواء على المستوى الديني أو الفكري أو التربوي. كما يتناول الملف ظاهرة لافتة تتمثل في استغلال بعض المواقع والمنصات لرحلة «الشك إلى اليقين» للمفكر الراحل د. مصطفى محمود، عبر اجتزاء نصوصه وتقديمها خارج سياقها، بما يسهم في تشويه التجربة الأصلية وتضليل المتلقي.. وبين التشخيص والمعالجة، يسعى هذا الملف إلى تقديم رؤية متوازنة، لا تكتفي برصد الظاهرة، بل تمتد إلى طرح سبل المواجهة، انطلاقًا من بناء وعي نقدي قادر على التمييز، واستعادة دور الخطاب الرشيد في إضاءة الطريق نحو الفهم الصحيح، مع التركيز على حماية الشباب وطلاب المدارس الثانوية من الوقوع في فخ الشبهات الفكرية والمعلومات المغلوطة...،،

د. عثمان عبد الرحمن:هشاشة الاعتقاد وفوضى السوشيال ميديا .. مسارات متعددة تقود إليه

يوضح د.عثمان عبد الرحمن، مستشار العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، إن الإلحاد من القضايا الفكرية التي شغلت الإنسان قديما وحديثا، وهو فى جوهره إنكار وجود الخالق أو الشك فى ذلك، وقد جاء الإسلام بمنهج واضح فى التعامل مع هذه القضية، قائم على مخاطبة العقل، وإحياء الفطرة، وتقديم الأدلة، مع الحفاظ على السماحة والوسطية والرحمة فى الدعوة والحوار.. ويشير إلي أن الأصل فى النفس البشرية هو الإقرار بوجود الخالق، وهو أمر فطري، كما يظهر ذلك فى لحظات الشدة والضعف حين يلجأ الإنسان إلى قوة عليا يستنجد بها، ومن هنا فإن الإلحاد فى المنظور الإسلامي يعد انحرافا عن الفطرة، وليس هو الأصل، مبينا أن الإسلام لم يعتمد على مجرد التسليم، بل دعا إلى التفكر والنظر فى الآيات الكونية من سماء وأرض، ونظام دقيق، وتناسق بديع، فكلها شواهد عقلية على وجود خالق حكيم، تؤدي فى النهاية إلي هداية الإنسان لا إدانته، وإقامة الحجة عليه بلطف وأدب، مع احترام إنسانيته.
آثاره على حياة الإنسان
 وينبه د. عثمان إلى أن الإلحاد لا يقتصر على كونه فكرة، بل له آثار على حياة الإنسان والمجتمع، إذ يؤدي إلى فقدان المعنى والغاية، ويضعف الضوابط الأخلاقية، لأن القيم حين تنفصل عن الإيمان تصبح عرضة للتقلب والتبدل. ولذا كان من رحمة الإسلام أنه لم يغلق الباب أمام أحد، فمهما بلغ الإنسان من شك أو إنكار، فإن باب العودة إلى الله مفتوح، لقوله سبحانه وتعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا).
ردود على شبهات الملحدين
ويستعرض مستشار العلوم الشرعية بالأزهر، بعضا من الردود العقدية على شبهات الملحدين، والتي تتنوع بين ما هو عقلي وفلسفى، وما هو نفسي أو مرتبط بسوء فهم للنصوص الدينية، مؤكدا أن الإسلام قد عالج هذه الشبهات بمنهج رصين يجمع بين الدليل العقلي، والبرهان الفطري، والنص الشرعي، فى إطار من الحكمة والاتزان، ومن أشهر هذه الشبهات والرد عليها شبهة وجود الخالق، حيث يزعم بعضهم أن الكون وُجد صدفة بلا خالق، وهو ما ذكره سبحانه وتعالى على لسانهم فى قوله: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)، ويُرد على ذلك بأن الصدفة لا تنتج نظاما محكما بهذا الإتقان، فالكون قائم على قوانين دقيقة وثابتة، وهذا يدل على وجود مُنظم حكيم، كما أن كل حادث لا بد له من مُحدث، وهي قاعدة عقلية بديهية لا ينكرها إلا مكابر.
وتابع د. عثمان، أن من بين شبهات الملحدين أيضا شبهة الشرور فى العالم، حيث يستدل البعض بوجود الشرور والآلام على نفى وجود الله، ويُجاب بأن وجود الشر لا ينفى وجود الخالق، بل يدل على حكمة قد تخفى على الإنسان. فالابتلاء جزء من طبيعة الحياة، وبه يتميز الصابر من غيره، كما أن كثيرا من الشرور تكون فى ظاهرها شرا، وفى باطنها خيرا لا يدركه الإنسان إلا بعد حين. وهو قوله تعالى: (وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
الحرية المنضبطة
كما استعرض شبهة تعارض العلم مع الدين، مشيرا إلي أن بعضهم يظن أن العلم يناقض الدين، والحقيقة أن الإسلام يدعو إلى العلم ويحث عليه، ويبين أن ما تم تحصيله من علوم هو قليل فى ميزان الإنسانية، وهو قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، والآية تبين أنه لم يثبت تعارض حقيقي بين حقيقة علمية قطعية ونص شرعي صحيح، بل إن كثيرا من الاكتشافات تؤكد ما جاء به الوحي، أو على الأقل لا تتعارض معه. ويعرج د. عثمان إلي شبهة الحرية والقيود الدينية، التي يرى فىها بعض الملحدين أن الدين يُقيد حرية الإنسان، بينما الحقيقة أن الإسلام ينظم الحرية ولا يلغيها، فىضع لها حدودا تحفظ كرامة الإنسان وتمنع الفوضى، وذلك لأن الحرية المطلقة تؤدي إلى الضرر، أما الحرية المنضبطة فهي التي تحقق مصلحة الفرد والمجتمع. ويشير إلي شبهة عدم رؤية الله، فىقول بعضهم: كيف نؤمن بما لا نراه؟ ويُجاب بأن عدم الرؤية لا يعني عدم الوجود، فهناك أشياء كثيرة لا ترى ولكن آثارها تدل عليها، كالعقل والروح والجاذبية، فالإيمان بالغيب ليس خروجا عن العقل، بل هو امتداد له.
شبهة نشأة الأديان
ويذكر مستشار العلوم الشرعية، أن شبهة نشأة الأديان، وزعم بعضهم أن الأديان من صنع البشر، يُرد عليها بأن الرسالات جاءت بمنهج متكامل يتجاوز قدرات البشر فى زمانهم، وأن الأنبياء جاءوا بأخلاق وتشريعات عظيمة ومعجزات عجزت الإنسانية فى حينها عن الإتيان بمثلها، ومنها ما ظل باقيا إلى قيام الساعة، كالقرآن الكريم، الذي أخبر بالماضي والحاضر والمستقبل وبين أن الإيمان بالغيب ركن أساس من أركان الإيمان.

 

د. محمود الهواري: «الفهـم» العميــق .. الطــــــــــــــــــــــــريق الصحيــح للمــواجهـــة

يؤكد د. محمود الهواري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، إن «الإلحاد» من الموضوعات المعقدة، ووجه تعقيد يرجع لتعلقه بجوانب دينية واجتماعية وفكرية وثقافىة، مبينا أن الإلحاد من الناحية الدينية، يأتي فى أعلى صوره إنكار وجود الله أو الشك فى وجوده، أما الجانب النفسي فىكون نتيجة سياق اجتماعي ضاغط يتعرض له الإنسان، وقد يكون نتيجة تعرضه لثقافة ممتلئة بالتشكيك والشبهات..ويقول: أن فكرة الإلحاد ليست جديدة على المجتمعات الإنسانية، ولا من اختراع هذا الزمان، بل إنها رافقت الإنسان منذ القدم ولكن بأشكال ودرجات مختلفة، إلا أن انتشارها فى العصر الحديث أصبح أكثر وضوحا، خاصة مع تطور وسائل الإعلام التي أتاحت الانفتاح على كثير من الثقافات المغايرة، مؤكدا أن الإلحاد مناقض للوحي والفطرة والعقل والدستور.
أسبابه متعددة ومتشابكة
ويضيف أن أسباب الإلحاد بداية الطريق إلى معالجته، مشيرا إلي أن أسبابه متعددة ومتشابكة، واختزالها فى سبب واحد مجازفة علمية، ويقول: من أبرز أسبابه الجهل بالدين، وضعف العلم، وهشاشة العقيدة..ويقول: أن ضعف المعرفة الصحيحة بالدين يؤدي إلى وقوع بعض الأفراد فى الشكوك والشبهات بسهولة، ولذلك كان العلم عاصما وحافظا لعقول وقلوب كثير من الناس. كما أن من أسباب الإلحاد التأثر بالثقافات الغريبة عن تاريخنا وحضارتنا وقيمنا، والانبهار المفرط بالمادية وما تحمله معها من قيم استهلاكية تؤله الإنسان، وتجعل ملذاته محور الحركة فى الكون، وتحيد الدين عن الحياة على الأقل إن لم تعمل على محو أثره بالكلية.
أسئلة فلسفية معقدة
ويؤكد د. الهواري، أن من أسباب أيضا الظروف الضاغطة التي يتعرض لها الإنسان سواء كانت ظروفا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، مثل التعرض للظلم أو المعاناة الشديدة، مما يدفع البعض للتساؤل عن وجود العدل الإلهي، أو اتهام الله بالظلم، وقد يقودهم ذلك إلى إنكار وجود الله بالكلية. ويضيف بقوله: ومن الأسباب القوية لوجود الظاهرة كذلك ما ينشر عبر السوشال ميديا من شبهات فكرية تعمل على نشرها وتمويلها أجندات مغرضة، مثل الادعاء بوجود تعارض بين العلم والدين، أو إثارة أسئلة فلسفىة معقدة دون تقديم إجابات مقنعة، مما يخلق حالة من الارتباك الفكري لدى بعض الشباب. ومن أغرب أسبابه بعض التصرفات الخاطئة من المتدينين أو ممن يمثلون الدين ويتكلمون باسمه، فىنفرون الناس ويدفعوهم إلى رفض الدين ذاته، مشددا علي ضرورة أن استقصاء الدراسات العلمية الدينية والاجتماعية، الأسباب التي تؤدي إلى الإلحاد حتى يكون العلاج مناسبا ومؤثرا.
خطورته وتأثيراته الكبيرة
ويحذر د. الهواري، من تأثيراته الكبيرة على الفرد من الناحية النفسية والأخلاقية، فىجعله ضعيفا وهشا لا يعرف معنى لحياته، وليس له غاية يسعى لتحقيقها.. ويقول: أما الإيمان بالله فإنه يمنح الإنسان معنى للوجود ويكشف عن مهمته فى الدنيا وغايته التي ينبغي أن يسعى إليها، ويبين مصيره فى الحيوات الأخرى، بينما يؤدي الإلحاد فى كثير من الأحيان إلى الشعور بالفراغ والعبثية، حيث يفقد الإنسان الإحساس بوجود هدف أسمى لوجوده، مشيرا إلي أن غياب الإيمان عند الإنسان قد يضعف الضوابط الأخلاقية الداخلية، وتصبح حدود الحرام والحلال عنده ضبابية وغير واضحة.
تهديده للقيم الحاكمة
ويوضح د. الهواري أن خطورة الإلحاد على المجتمع تظهر فى تهديده للقيم الحاكمة والتي تؤطر حركة الناس فى حياتهم وتصل بالمجتمع إلى حالة من التماسك المطلوب، والدين يشكل أحد أهم مصادر تشكيل هذه القيم..ويقول: كما أن غياب المرجعية الأخلاقية الثابتة قد يؤدي إلى اختلاف كبير فى المعايير بين أفراد المجتمع، مما يسبب اضطرابا فى العلاقات الاجتماعية، معللا ذلك بأن المجتمعات التي تفتقد إلى منظومة قيمية مشتركة تواجه صعوبة فى تحقيق الاستقرار المجتمعي. كما أن انتشار الإلحاد قد يسهم فى تقليل الشعور بالمسؤولية الجماعية، حيث يضعف الدافع للعمل من أجل الآخرين أو التضحية من أجل الصالح العام، خاصة إذا غابت فكرة الجزاء الأخروي.
خطوات علاج الظاهرة
ويشير د. الهواري إلي أن علاج هذه الظاهرة يحتاج إلي إتباع منهج متوازن يجمع بين العلم والحكمة، وأولى خطوات العلاج هي تعزيز التعليم الديني الصحيح، القائم على الفهم العميق وليس التلقين والحفظ والترديد، مع تقديم الأدلة العقلية التي تتناسب مع مستوى الشباب وثقافتهم.. ويقول:كما ينبغي فتح باب الحوار والنقاش، وعدم قمع الأسئلة أو تجاهلها، لأن ذلك قد يزيد من الشكوك، فالشباب بحاجة لمن يستمع إليهم ويجيب عن تساؤلاتهم بطريقة علمية ومنطقية، خاصة أنهم يتعرضون لموجات من الاستهداف الفكري الذي يؤدي إلى حالة من الاضطراب والتشويش لديهم.

د. سامية خضر: تطوير استراتيجيات المواجهة وتعزيز القيم المجتمعية

وتعرف د. سامية خضر، أستاذ علم الإجتماع، الإلحاد علي أنه موقف فكري ينكر وجود الخالق، متجاهلا البراهين التي تثبت وجوده، وتقول: أن هذا الموقف يعتمد على تصورات ذهنية مجردة وغير مستندة إلى الواقع الملموس أو الأدلة العلمية الموثوقة. 
وتوضح د.خضر، أن الإلحاد يتصف بأنه نفي قاطع للوجود الإلهي دون الاستناد إلى براهين علمية مؤكدة، مما يجعله موقفا انفعاليا أكثر منه فكريا، كما أن عقلية الملحد تتميز بالنقد الدائم والشكية، فضلا عن تبنيه موقفا متشددا تجاه الدين، حيث يعتبره مجرد خرافات وأوهام، مما يجعله في صراع دائم مع المؤمنين والقيم الدينية.
انهيار الروابط الاجتماعية
وتضيف د. سامية خضر  أن الإلحاد له تأثيرات واسعة على المجتمع، وتقول: فيمكن أن يؤدي إلى تفكك القيم الاجتماعية والأخلاقية، وذلك لأن الملحد يعتبر أن مفهوم الأخلاق نسبي ومتحرك حسب ثقافة المجتمع وأدواته المعرفية والمادية، وهذا الموقف يمكن أن يؤدي إلى انهيار الروابط الاجتماعية وتراجع الالتزام بالقيم المشتركة، مما يهدد استقرار المجتمع وتماسكه.
وتابعت أن المجتمعات التي تعزز القيم الدينية، ترفض فكرة تواجد الملحدين بينهم، مما يزيد من عزلتهم وصعوبة اندماجهم بين الناس، مبينة أن هذا الرفض الاجتماعي يمكن أن يخلق نوعا من الانقسام داخل المجتمع، نتيجة تضخم شعور الملحدين بالتمرد والانفصال عن المجتمع، مما يضاعف من تعقيد حالتهم النفسية والاجتماعية، ويعزز موقفهم العدائي تجاه المجتمع والقيم الدينية.
تطوير استراتيجيات المواجهة
وتشير د. خضر، إلي أن الإلحاد، باعتباره ظاهرة اجتماعية ونفسية وفكرية، ليس مجرد موقف فكري بحت، بل هو نتاج لتفاعل معقد بين العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، موضحة أن رفض الإيمان بوجود الخالق ينجم غالبا عن تجارب سلبية، مثل الشعور بالتمرد، والرغبة في التحرر من القيود الدينية.. وتقول: أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل عميق على الفرد والمجتمع، حيث تؤدي إلى تفكك القيم الاجتماعية والروابط الأخلاقية.
وتوضح أن علاج الإلحاد يتطلب فهما شاملا للدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراءه، من خلال التعرف على هذه العوامل، حيث يمكننا تطوير استراتيجيات لمواجهة هذه الظاهرة، والعمل على تعزيز القيم الدينية والأخلاقية في المجتمع بطريقة تضمن التفاهم والاحترام المتبادل بين المؤمنين والملحدين.

 

د. إسماعيل خضر:حزمة متكاملة من المبادرات للتصدي لهذه التيارات

يؤكد د. إسماعيل زين خضر، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، أن المؤسسات الدينية الرسمية فى مصر، وعلى رأسها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، كثّفت جهودها مؤخرًا عبر حزمة متكاملة من المبادرات والبرامج الفكرية والدعوية، فى محاولة جادة لتحصين المجتمع، خصوصًا فئة الشباب، من التأثر بالأفكار المتطرفة أو الميل إلى الإلحاد.
ويقول: فى مقدمة هذه الجهود، أطلق الأزهر مبادرة "معًا لمواجهة الإلحاد"، التي ينفذها مجمع البحوث الإسلامية من خلال لقاءات وندوات دورية، تستهدف فتح حوار مباشر مع الشباب، ومناقشة أبرز الشبهات الفكرية المعاصرة، وتفنيدها بأسلوب علمي مبسط، يُراعي طبيعة التفكير الشبابي ويجعل الوصول إلى الفهم الصحيح أمرًا يسيرًا.
ويضيف: كما دشّن الأزهر وحدة "بيان" التابعة لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، لتكون منصة متخصصة فى رصد الشبهات المنتشرة عبر الفضاء الرقمي، والرد عليها بلغة واضحة، تجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الشبابي الجاذب، بما يضمن تقديم الردود بطريقة منهجية وموثوقة.
المواجهة وتطوير الخطاب
ويشير د. إسماعيل خضر، إلى أن تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على فئة الشباب جعل من الضروري توسيع حضور الأزهر الرقمي، ليصبح حاضرًا بقوة فى مواجهة أي خطاب تشكيكي أو مضلل.. ويقول: اتجه الأزهر إلى إنتاج محتوى توعوي متنوع، ورصد الأفكار التشكيكية المنتشرة، وتصحيحها بأسلوب يجمع بين المنهج العقلي وأصول النقل، بما يعزز قدرة الشباب على التمييز بين الحق والباطل، ويقوي من مناعتهم الفكرية تجاه الانحرافات».
ويضيف: وفى المقابل، أكدت وزارة الأوقاف أن مواجهة الإلحاد لا تقتصر على الوعظ التقليدي، بل تتطلب منظومة فكرية متكاملة، تستفىد من التراث الإسلامي العميق، وتواكب طبيعة الأسئلة الفلسفىة المعاصرة، لتقديم إجابات واضحة ومقنعة.
العمل الميداني والتواصل
ويشير د. إسماعيل زين خضر، إلى أنه على مستوى العمل الميداني، أطلق الأزهر ووزارة الأوقاف قوافل دعوية مشتركة، تجوب مختلف المحافظات، لنشر الفكر الوسطي ومناقشة القضايا الفكرية مباشرة مع المواطنين، بما يعزز التواصل بين العلماء والجمهور، ويمكّن الشباب من الحصول على الردود الدقيقة فى الوقت المناسب.
بناء الإنسان من الجذور
وفى إطار التركيز على الوقاية المبكرة، يؤكد د. إسماعيل خضر،أن وزارة الأوقاف أطلقت مبادرات تهدف إلى تحصين الأطفال والنشء، من خلال تعليم القرآن الكريم وغرس القيم الدينية الصحيحة، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الانحرافات الفكرية.
ويضيف: كما يعمل الأزهر على تطوير المناهج التعليمية، وإدماج قضايا العقيدة والشبهات المعاصرة ضمن المحتوى الدراسي، بما يسهم فى بناء وعي نقدي لدى الطلاب منذ مراحلهم المبكرة. 
كما تولي المؤسستان اهتمامًا خاصًا بتدريب الأئمة والدعاة عبر دورات متخصصة، تركز على كيفىة التعامل مع القضايا الفكرية المعاصرة، والرد على الشبهات بأسلوب علمي ومنهجي، مع تزويدهم بالمواد العلمية الحديثة لضمان جاهزيتهم لمواجهة التطور السريع للأفكار المتداولة عبر الإنترنت.
استراتيجية شاملة ومرنة
ويشدد د. إسماعيل خضر، على أن هذه الجهود تكشف عن تبني الأزهر ووزارة الأوقاف رؤية شاملة فى مواجهة الإلحاد، تقوم على عدة محاور متكاملة تشمل الحوار الفكري المباشر مع الشباب، المواجهة الرقمية للشبهات، التوعية الميدانية عبر القوافل والندوات، التأصيل العلمي من خلال التعليم والمناهج، وبناء الإنسان منذ الطفولة.

 

د. نجلاء شمس: المبادرات الرقمية ضرورة للرد على تساؤلات الشباب

تشير د.نجلاء شمس، مساعد مدير مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وعلوم الفضاء بمجمع البحوث الإسلامية، إلى أنه فى السنوات الأخيرة، برز انتشار الإلحاد بين الشباب، خاصة فى المرحلة الثانوية، وتقول: والأمر يتطلب وقفة تحليلية دقيقة لفهم جذوره وأسبابه، وتحديد آليات المواجهة الفعّالة. فهو لا يقتصر على كونه قضية عقائدية فحسب، بل تمثل انعكاسًا للتحديات المعرفىة والثقافىة والاجتماعية التي يعيشها الشباب فى عالم سريع التغير، متشابك مع شبكات التواصل الاجتماعي ، وأصبحت المنصة الأكثر تأثيرًا فى تشكيل الوعي والقيم.
الاستقلال الفكري والهوية
وتوضح، د.نجلاء شمس، تعدد الأسباب التي تقف وراء انتشار الإلحاد فى هذه المرحلة العمرية، وتفندها بقولها: تمثل هذه الفترة مرحلة البحث عن الاستقلال الفكري وتشكُّل الهوية الذاتية، وهو ما يجعل بعض الطلاب أكثر عرضة للتشكيك عند مواجهتهم أفكارًا متناقضة أو مثيرة للجدل عبر الإنترنت. كما أن الانفتاح المعرفى وتعدد مصادر التلقي، خاصة مع سهولة الوصول إلى محتوى غير موثوق، قد يثير تساؤلات وجودية تحتاج إلى تأطير علمي وديني متوازن، فى حين تسهم بعض الضغوط النفسية والاجتماعية، وما قد يصاحبها من شعور بالاغتراب، فى دفع بعض الشباب إلى تبنّي تصورات تبدو لهم مخرجًا سريعًا لتفسير قضايا وجودية أو شخصية.وفى هذا السياق، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا فى تضخيم هذه التوجهات.
تعميق حالة التشكيك
وتضيف د. نجلاء شمس وتقول: كما أن انتشار المقاطع القصيرة والاقتباسات الجزئية، إلى جانب تأثير بعض المجموعات الرقمية المغلقة التي تعيد تدوير الأفكار دون تمحيص، يسهم فى تعميق حالة التشكيك بدلًا من معالجتها معالجة علمية رصينة. وفى هذا الإطار، يُلاحظ كيف يمكن أن تتعرض تجارب فكرية بارزة، مثل تجربة الدكتور مصطفى محمود فى رحلته من الشك إلى الإيمان، إلى قدر من التحريف أو الاجتزاء، بما يفقدها سياقها العلمي والمعرفى الصحيح.
الواقع فى الفضاء الرقمي، يكشف عن ممارسات متكررة قد تؤدي إلى تشويه غير مباشر لمضمون التجربة. ويظهر ذلك بوضوح حين يتم التركيز على مرحلة الشك فقط دون الإشارة إلى النهاية، فتُعرض تساؤلات الكاتب وكأنها موقفه النهائي، بينما هي فى حقيقتها محطة انتقالية ضمن مسار أوسع.كما يتجلى التشويه فى اجتزاء النصوص من سياقها، حيث تنتشر اقتباسات منفصلة من الكتاب دون عرض البناء الكامل للفكرة. وبما أن العمل قائم على حوار داخلي متدرج، فإن اقتطاع جزء منه يعزل الفكرة عن مسارها، ويؤدي إلى فهم مبتور أو مغاير للمقصود.وفى سياق آخر، يُلاحظ توظيف تجربة مصطفى محمود أحيانًا بوصفها رمزًا للشك، دون الإشارة إلى أنه تجاوز هذه المرحلة ونقدها بنفسه، وهو ما يعيد تقديم التجربة بشكل انتقائي لا يعكس حقيقتها. أي ما يُعرف علميًا بمفهوم "اجتزاء السياق"، وهو نمط شائع فى نقل الأفكار خارج إطارها الكامل بما يؤدي إلى تغيير معناها. ويزداد هذا النمط وضوحًا فى عصر المحتوى السريع، الذي يميل إلى الاختزال على حساب العمق.
وترتبط هذه الإشكالية بطبيعة البيئة الرقمية التي تقوم على السرعة والاختصار، حيث تُختزل الأفكار المعقدة فى عبارات قصيرة، ويغيب السياق الكامل للنصوص، ويتجه المستخدمون غالبًا إلى مشاركة ما يتوافق مع تصوراتهم المسبقة. فى هذا المناخ، يصبح من السهل إعادة تشكيل أي تجربة فكرية فى صورة مبسطة قد لا تعكس حقيقتها، وهو ما ينطبق على تجربة مصطفى محمود. تأثير ذلك على وعي الشباب، وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة حين يتعلق الأمر بالشباب، خاصة فى مراحل التكوين الفكري، إذ يمكن أن يؤدي عرض التجربة بشكل مجتزأ إلى تكوين تصور غير دقيق عنها، سواء من خلال تضخيم مرحلة الشك أو تجاهل نهايتها. ومن هنا تبرز أهمية تقديم النماذج الفكرية فى سياقها الكامل باعتبارها مسارات بحث متكاملة لا لحظات منفصلة. 
 المبادرات الرقمية الواعية
وتؤكد د.نجلاء شمس، على أن مواجهة الإلحاد لا يمكن أن تقوم على الرفض أو المواجهة الشكلية، بقدر ما تحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين التعليم والتأهيل والحوار الواعي. ويأتي فى مقدمة ذلك دعم البرامج التعليمية التي تعزز الربط بين المعرفة العلمية والقيم، وتقديم القضايا الفكرية بمنهجية موضوعية تراعي طبيعة المرحلة العمرية، إلى جانب إعادة تقديم النماذج الفكرية الرصينة التي تعاملت مع الشك باعتباره مرحلة فى طريق البحث، وانتهت إلى بناء يقين معرفى متزن. وتشدد إلى أن المبادرات الرقمية الواعية تمثل ضرورة ملحّة لإنتاج محتوى موثوق يخاطب الشباب بلغة معاصرة، ويعالج تساؤلاتهم بوضوح وعمق، بالتوازي مع تفعيل دور الأسرة والمؤسسات التعليمية فى إتاحة مساحة آمنة للحوار القائم على الاستماع والفهم، لا على الإقصاء أو التوجيه المباشر.

د. إلهام شاهين:خليط من أزمات نفسية .. وشبهات فكرية

تؤكد د. إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشئون الواعظات بالأزهر الشريف، أن الإلحاد عند كثير من النشء والشباب ليس دائمًا قناعة عقلية خالصة، بل غالبًا خليط من: أزمة نفسية ، فراغ روحي، شبهة فكرية، وتأثير بيئي. 
وتوضح أن هذه الظاهرة يمكن تفكيكها عبر عدة محاور رئيسية، فى مقدمتها الأسباب الفكرية والمعرفىة، وتقول: حيث يعاني كثير من الشباب من ضعف فى التأسيس العقدي منذ الصغر، إذ تقتصر معرفتهم على مفاهيم سطحية لا تصمد أمام الطروحات المشككة. كما يسهم الخلط بين العلم والدين، نتيجة خطاب إعلامي أو ثقافى غير منضبط، فى ترسيخ تصور خاطئ بوجود تعارض بينهما. وتفاقم المشكلة مع انتشار الشبهات عبر منصات التواصل دون وجود ردود علمية رصينة، إلى جانب ضعف مهارات التفكير النقدي، ما يجعل بعض الشباب عرضة للتأثر بالطرح العاطفى أو المضلل.. وفىما يتعلق بـالأسباب النفسية والشخصية، توضح، د.الهام شاهين، أن الصدمات الحياتية، كفقدان عزيز أو التعرض لابتلاءات قاسية، قد تدفع البعض إلى سوء فهم قضايا القدر والحكمة الإلهية. كما أن الرغبة فى التحرر من القيود، أو التمرد على السلطة الأسرية أو الدينية، قد تتحول لدى البعض إلى رفض شامل للفكرة الدينية.
 وتضيف بقولها: أما الأسباب الاجتماعية والتربوية، فتتمثل فى غياب القدوة الحسنة، ووجود تناقض بين القول والفعل لدى بعض المتدينين، إلى جانب القسوة فى أساليب التربية الدينية التي تربط الالتزام بالعنف أو الإكراه، ما يخلق حالة من النفور. ويُضاف إلى ذلك ضعف الحوار داخل الأسرة، وغياب المساحات الآمنة لطرح التساؤلات، فضلًا عن تفكك العلاقات الأسرية وانعكاسه على الاستقرار النفسي والفكري للشباب.
محتوى مثير للجدل
وتلفت إلى الأسباب الإعلامية والثقافىة، وعلى رأسها التأثير المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي التي تروّج  عبر خوارزمياتها  لمحتوى مثير للجدل وسريع الانتشار، إضافة إلى الطرح الإلحادي المبسط والجذاب الذي يقدّم قضايا فلسفىة معقدة بصورة سطحية لكنها مؤثرة. كما يسهم التأثر غير الواعي ببعض النماذج الفكرية الغربية، فى ظل غياب خطاب ديني معاصر قادر على مخاطبة لغة الشباب وأسئلتهم، فى تعميق الفجوة.
وتتطرق د.الهام شاهين، إلى الأسباب الدينية الداخلية، موضحة أن الخلط بين الدين وسلوك بعض المتدينين يؤدي إلى رفض الفكرة الدينية بسبب ممارسات فردية خاطئة، فضلًا عن ضعف الخطاب الدعوي الذي يكتفى بالوعظ دون تقديم معالجة عقلية للشبهات، إلى جانب مظاهر التشدد أو التفريط التي تشوّه الصورة المتوازنة للدين. وفى سياق أعمق، تشير إلى الأسباب الفلسفىة، مثل إشكالية الشر والمعاناة التي تُستغل لإثارة الشكوك، إلى جانب النزعة المادية التي تحصر الحقيقة فىما هو محسوس، وانتشار العدمية التي تفرغ الحياة من المعنى والغاية.
المبادرات والبرامج العملية
وعن جهود المواجهة، لمكتب الأمين العام المساعد لشئون الواعظات فى ملف الإلحاد،  تؤكد د. إلهام شاهين، أنه تم إطلاق عدد من المبادرات والبرامج العملية، من بينها تنظيم مسابقة ثقافىة بعنوان «لماذا يلحدون؟!»، استهدفت تقديم معالجات فكرية وإبداعية للظاهرة، عبر أعمال متنوعة شملت الأبحاث العلمية، والقصص، والشعر، والمسرح، والسيناريوهات، إلى جانب إنتاج مواد مرئية وتسجيلية مثل الأفلام الوثائقية والبرامج الحوارية والموشن جرافىك.. وتضيف بقولها: كما تم تنفىذ تسع دورات تدريبية متخصصة للواعظات، بالتعاون مع أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى، ركزت على منهجية التعامل مع الشبهات والرد عليها بأسلوب علمي ومنطقي، واستمرت كل دورة لمدة ثلاثة أسابيع، بمشاركة واسعة من الواعظات. وتشير إلى أنه فى إطار المبادرات المستمرة، أطلقت مبادرة «معًا لمواجهة الإلحاد»، التي تهدف إلى تأهيل الكوادر الدعوية والتعليمية للتعامل مع هذه الظاهرة، من خلال برنامج أسبوعي يُبث عبر منصة «تليجرام»، يشارك فىه متخصصون فى العقيدة والإعلام وعلم النفس والطب النفسي واللغة، وقد بلغ عدد اللقاءات المنفذة منذ انطلاق المبادرة 46 لقاءً. كما شاركت الواعظات فى الرد المباشر على استفسارات الجمهور من خلال ركن الفتوى بجناح الأزهر فى المعارض الدولية للكتاب بالقاهرة والإسكندرية وساقية الصاوي، حيث أظهرت المتابعة أن نحو 35% من الأسئلة المطروحة تتعلق بقضايا الإلحاد، خاصة من فئة الشباب وأسرهم. وتختتم د.الهام شاهين، بالإشارة إلى خطط مستقبلية تشمل نشر الأبحاث الفائزة فى المسابقة، وتنظيم ندوات توعوية بمراكز الشباب، إلى جانب إعداد برامج تدريبية متخصصة، وتجميع أبرز الأسئلة المثارة حول الإلحاد وإعدادها فى كتيب علمي مبسط يُوزع على الجمهور، فى إطار جهود متكاملة تستهدف تحصين المجتمع وتعزيز الوعي الفكري والديني.

 

 

 

ترشيحاتنا