مرجونة: النبي ﷺ صنع معجزة سياسية بإنهاء عصر "القبيلة" وإقرار "دولة القانون"
يعد د. إبراهيم محمد علي مرجونة، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة دمنهور، أحد أبرز القامات الأكاديمية التي جمعت بين دقة البحث التاريخي وعمق الرؤية الحضارية. فمن خلال مسيرة حافلة تقلد فيها منصب وكيل كلية الآداب السابق، وأثرى خلالها المكتبة العربية بأكثر من ثلاثين مؤلفاً، استطاع "مرجونة" أن يقدم قراءات تحليلية مغايرة للتاريخ الإسلامي، جعلته عضواً بارزاً في اتحاد كتاب مصر والعديد من اللجان العلمية بالمجلس الأعلى للجامعات.
"موقع اللواء الإسلامي" حاور د.إبراهيم مرجونة في تفاصيل "وثيقة المدينة"، حيث كشف عن أسرار هذا الدستور النبوي الذي وضع حجر الزاوية لدولة القانون واحترام التعددية قبل أكثر من 1400 عام. كما تطرق الحوار إلى دور المرأة في الحضارة الإسلامية، وفلسفة التسامح، وكيف سبقت تلك المواثيق الإسلامية الأولى إعلانات حقوق الإنسان العالمية بقرون طويلة.
* نبدأ من "محراب العلم".. تقلدتم مناصب إدارية وأكاديمية رفيعة، كيف ترى واقع البحث التاريخي في مصر والوطن العربي اليوم؟
* البحث التاريخي في وطننا العربي يمر بمرحلة انتقالية هامة من خلال عملي كمحكم بالدوريات العلمية ولجان الترقيات، أرى طفرة في استخدام المناهج الحديثة، لكننا ما زلنا بحاجة إلى التحرر من "النقل" إلى "النقد". التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث بل هو "قراءة تحليلية" كما طرحت في كتابي الأخير عن العصر العباسي، حيث نحاول فهم كيفية تشابك السلطة والمعرفة لصياغة واقع الأمة.
* كتاب "الألوان بين الدلالة والرمزية في الدولة الإسلامية" أحدث صدى واسعا فما هي الفلسفة التي أردت طرحها من خلاله؟
الحضارة الإسلامية لم تكن حضارة سيف وقلم فحسب، بل كانت حضارة "ذوق وفن". في هذا الكتاب أردت إثبات أن الإنسان المسلم استخدم الألوان كرموز سياسية واجتماعية ونفسية فالأسود العباسي، والأخضر العلوي والأبيض الأموي لم تكن خيارات عشوائية، بل كانت لغة بصرية تعبر عن أيديولوجيات كاملة.
اقرأ أيضا: علماء الأزهر: "وثيقة المدينة" أول دستور ضمن التعايش على أساس العدل
في كتابكم "النساء في الدولة الإسلامية"، ناقشتم دور المرأة تاريخياً.. هل أنصف التاريخ الإسلامي المرأة أم أن العادات غلبت النصوص؟
الدولة الإسلامية في عصورها الزاهية منحت المرأة أدواراً لم تقتصر على المنزل، بل برزت "المحدثات" و"الفقيهات" وحتى "المناضلات". في كتابي، حاولت إزاحة الغبار عن دور المرأة الحقيقي بعيداً عن الصور النمطية التي كرستها بعض الكتابات المتأخرة، مؤكداً أن المرأة كانت شريكاً فاعلاً في صياغة المشهد الحضاري.
* رحلتكم البحثية شملت جغرافيا واسعة، من "تاريخ الهند" إلى "تاريخ الأكراد" و"العلاقات مع الصين".. لماذا هذا الاهتمام بالمناطق الطرفية في العالم الإسلامي؟
التاريخ الإسلامي وحدة واحدة لا تتجزأ. الاهتمام بالحجاز في عصر المماليك ضروري، ولكن فهم كيفية وصول الإسلام إلى تخوم الصين وبلاد الهند يمنحنا صورة كاملة عن "عالمية الإسلام". نحن بحاجة لفهم الأطراف لنستوعب قوة المركز، وكيف استوعبت هذه الحضارة أعراقاً وثقافات متباينة وصهرتها في بوتقة واحدة.
اقرأ أيضا: صدر دمنهور يتصدر المشهد في مواجهة الدرن
* "رسالة العشق لإبن سينا" و"تحولات السلطة والمعرفة".. عناوين توحي بوجود "أديب" يسكن داخل "المؤرخ" كيف أثرت عضويتك باتحاد كتاب مصر على أسلوبك في تدوين التاريخ؟
لا يمكن فصل المؤرخ عن الأديب فالتاريخ بلا خيال أدبي يصبح جسداً بلا روح. مؤلفاتي الأدبية الثلاثة كانت المتنفس الذي سمح لي بالتعبير عن "جوهر" الروح الإسلامية. رسالة العشق لابن سينا، مثلا ليست مجرد نص فلسفي، بل هي رحلة روحية تعكس عمق الفكر الإنساني في حضارتنا، والأدب هو الذي يمنح التاريخ "السيولة" التي تجعله قريباً من قلب القارئ غير المتخصص.
* بصفتك عضواً في اتحاد المؤرخين العرب والعديد من الجمعيات العلمية؛ ما هي رسالتك للأجيال الشابة من الباحثين في التاريخ؟
رسالتي لهم هي: "اقرأوا المصادر بعين الناقد لا بعين التابع". التاريخ أمانة، ومهمة المؤرخ ليست الدفاع عن الماضي، بل فهمه واستخلاص العبر منه. عليهم بالصبر والدقة، فالبحث العلمي رحلة تبدأ بسؤال وتنتهي بعلم ينتفع به الناس.
* د. إبراهيم كيف تصف الغاية الأسمى لرسالة الإسلام في تنظيم العلاقات البشرية؟
غاية الإسلام هي تربية الإنسان المؤمن على حب الله ومن ثم حب ونفع الآخرين. الإسلام ليس مجرد شعائر
بل هو منهج لتنمية العلاقات الإنسانية على هدى من الرحمة والحكمة والعدالة والتسامح. هذه المبادئ هي القوة المحركة للحضارة وبدونها لا يمكن للحياة أن ترقى أو تسمو القيم فالتكامل الإنساني يجب أن يتجاوز فوارق الجنس أو اللون أو الدين.
* ركزتم في أبحاثكم على "وثيقة المدينة" أو "الصحيفة".. لماذا تعتبرونها حجر الزاوية في بناء الدولة والمجتمع؟
الوثيقة هي "الدستور الدائم" الذي وضعه الرسول ﷺ لإقرار العلاقات ليس فقط بين المؤمنين بل بينهم وبين جيرانهم من أهل المدينة بمختلف طوائفهم. هي أهم ينبوع للنظم الإسلامية لأنها أقرت نظام "الدولة والقانون" بدلا من "القبيلة والعرف العصبوي". لقد صهرت الخلافات وأذابت الفوارق ليكون الجميع "أمة واحدة من دون الناس".
* تناولتم مفهوم "التسامح" لغويا واصطلاحيا فكيف يتجلى هذا المفهوم في فكركم التاريخي؟
التسامح لغة هو السماحة واليسر والبذل عن كرم وسخاء، واصطلاحا هو الاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق الغير سياسيا ودينيا وفكريا. التسامح ليس وسيلة للتفوق على الخصم بل هو وسيلة للفهم وتحسين الرؤية. وكما علمنا النبي ﷺ فإنه القدوة الأولى الذي نقل للبشرية أن روح التسامح هي أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الأمم.
* ننتقل إلى "الإخاء الإنساني" في الوثيقة.. كيف استطاع النبي ﷺ تحويل مجتمع قبلي متناحر إلى مجتمع متآخ؟
النبي ﷺ لم يكن مبشراً بدين فحسب بل كان مؤسساً لسياسة غيرت مجرى التاريخ. الوثيقة ألغت "العصبية العمياء" وأحلت محلها "رابطة الأخوة الإنسانية". انظر إلى إيثار الأنصار ومقاسمتهم الأموال مع المهاجرين هذا التطبيق العملي للوثيقة جعل الحب بناء لا فناء. الوثيقة أقرت أن "النصر للمظلوم" وأن المؤمنين يتضامنون ضد البغي والظلم حتى لو كان المعتدي من أقربائهم.
* لفت انتباهي في طرحكم الربط بين الإخاء ونظام "الشورى".. كيف يخدم التشاور فكرة قبول الآخر؟
الشورى هي مقياس الإخاء الإنساني. الوثيقة نصت على "النصح والنصيحة والبر دون الإثم". نظام الشورى أتاح للجميع أن يكونوا شركاء في بناء حياتهم مما خلق ارتباطا وثيقا بين الحاكم والمحكوم. هذا التدريب على تقديم المصلحة العامة على الفردية هو أسمى صور الإخاء حيث يمارس الفرد حقوقه وواجباته في إطار ديمقراطي سبق عصره بقرون.
* أخيرا د. إبراهيم ما هي الرسالة التي تحملها وثيقة المدينة لعالمنا المعاصر؟
الرسالة هي أن الحضارة الحقيقية هي حضارة "القيم والأخلاق والسمو الروحي". وثيقة المدينة علمتنا أن القصاص بديل للثأر وأن القانون سيد الجميع وأن الحب أطهر شعور وأسمى غاية لبناء الدول. لقد أفاد الرسول ﷺ الإنسانية بمنظومة فضائل (عدل وعفو وصدق وأمانة) هي وحدها الكفيلة برقي الشعوب في كافة نظمها السياسية والحضارية.



