سالم عبدالنبى - محمود حسن - محمد ضياء الشندويلى
في الثاني من أبريل من كل عام، تحتفي الدول باليوم العالمي للتوعية بالتوحد، الذي أقرته الأمم المتحدة ليكون مناسبة دولية لترسيخ حقوق الأشخاص ذوي التوحد، وتعزيز فرص دمجهم الكامل في المجتمع. وعلى مدار ما يزيد على سبعة عشر عامًا، تطور هذا اليوم من مجرد دعوة للتوعية إلى دعوة وطنية ودينية تؤكد القبول والتقدير، والاعتراف بأن التنوع العصبي جزء أصيل من ثراء التجربة الإنسانية.
اللواء الإسلامي ناقشت القضية مع العلماء للوقوف علي أسبابها، وطرق علاجها.
تقول د. دعاء توفيق أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن اضطراب طيف التوحد، يعرف بأنه اضطراب نمائي عصبي يؤثر على أنماط التواصل والتفاعل الاجتماعي، ويصاحبه سلوك متكرر واهتمامات محددة، مشيرة إلي أن مفهوم «الطيف» يعكس التباين الكبير بين الأفراد، حيث تختلف درجات التحديات والقدرات من حالة إلى أخرى، ما يستدعي مقاربات فردية في الرعاية والتأهيل.
اقرأ أيضاً| «الصحة» تفحص 31 ألف طفل ضمن مبادرة التوحد
وتوضح أن احصاءات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن عدد المصابين باضطراب طيف التوحد عالميًا يبلغ نحو 61.8 مليون شخص، بمعدل انتشار يصل إلى 788.3 لكل 100 ألف نسمة، مع تسجيل معدلات أعلى بين الذكور مقارنة بالإناث. كما أفادت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بأن نحو 1 من كل 36 طفلًا يُشخَّص بالتوحد.
وفي مصر، ورغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة، تُقدَّر نسبة الانتشار بين 1% و1.5% من الأطفال، بإجمالي يتراوح بين 800 ألف إلى مليون شخص، مع الإشارة إلى وجود فجوة تشخيصية، خاصة في المناطق الريفية.
وتضيف د. دعاء أن أسباب التوحد لا يمكن اختزالها في سبب واحد، إذ تشير الأدلة العلمية إلى تداخل عوامل وراثية وبيئية، تشمل الاستعداد الوراثي، والتغيرات البيئية قبل الولادة وأثناء الطفولة المبكرة، والتعرض لبعض الملوثات، وانخفاض مستويات حمض الفوليك خلال الحمل، مبينة أن «التكنولوجيا الحديثة» سلاح ذو حدين، كونها تعد عنصرًا مؤثرًا في حياة الأطفال ذوي التوحد، وتحمل في طياتها فرصًا واعدة وتحديات حقيقية، فمن ناحية، توفر التطبيقات الذكية وبرامج التواصل البديل وسائل فعالة لتنمية مهارات اللغة والتفاعل، كما تساعد تقنيات الواقع الافتراضي والألعاب التعليمية في تحسين الإدراك والانتباه.
اضطراب سلوكى
وتؤكد د. إيمان خيري، أخصائي الصحة النفسية والإرشاد الأسري، أن التوحد يُعد اضطرابا نمائياً سلوكياً يؤثر على جودة التفاعل الاجتماعي والتطور المعرفي بدرجات متفاوتة، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد تتمتع بمستويات ذكاء مرتفعة ومهارات متميزة، كما هو الحال لدى أطفال متلازمة أسبرجر. وتوضح أن مستوى تأثر الطفل يتوقف على عدة عوامل، من بينها درجة التداخل العصبي، ومستوى القدرات المعرفية، إلى جانب أهمية التدخل المبكر ومدى فاعليته واستجابة الطفل له. وتؤكد د. خيري أن تحقيق دمج مجتمعي فعال لأطفال التوحد يحتاج إلي تعاون كامل بين الأسرة ومؤسسات المجتمع، بما يضمن توفير بيئة داعمة تسهم في تنمية قدرات الطفل وتعزيز تفاعله مع الآخرين.
وتشدد أخصائية الصحة النفسية، على أهمية تجنب عزل الطفل أو مقارنته بغيره، والتركيز بدلاً من ذلك على تنمية اهتماماته وهواياته، بما يعزز ثقته بنفسه ويساعده على الاندماج بشكل طبيعي، مؤكدة ضرورة دعم المؤسسات التعليمية لملف الدمج، من خلال إعداد خطط تربوية فردية تستهدف تنمية نقاط الضعف وتعزيز نقاط القوة لدى كل طفل، إلى جانب استخدام الوسائل البصرية وتوفير روتين واضح يسهل العملية التعليمية.
وتنوه د. خيري إلي أهمية إشراك الأطفال في الأنشطة المختلفة ومتابعة مدى استجابتهم للبرامج التعليمية وقدرتهم على التفاعل الاجتماعي بشكل مستمر.
مرحلة مبكرة
من جانبها تقول د. هويدا عبدالمنعم أخصائية الصحة النفسية، إن اضطراب طيف التوحد لا يعد تشخيصا طبيا عابرا، بل هو «طيف» واسع من التباينات البشرية التي تتطلب منا فهماً أعمق وقبولاً أوسع، فالتوحد مظلة تجمع تحتها حالات كانت تُصنف سابقاً بشكل منفصل، مما يعكس شمولية الرؤية الطبية الحديثة لهذا الاضطراب النمائي العصبي. فهو اضطراب يظهر في مرحلة مبكرة من الطفولة، ويؤثر بشكل مباشر على كيفية تفاعل الشخص مع محيطه وتواصله مع الآخرين ، لكنه يظل «طيفاً»؛ بمعنى أن لكل طفلا بصمته الخاصة وقدراته التي تميزه عن غيره.
وتضيف أن هناك أعراضاً ومؤشرات سلوكية يجب على الأهل الانتباه إليها، من أبرزها:
التواصل البصري: ضعف القدرة على النظر في العين مباشرة أو الاستماع للمتحدث.
النمطية السلوكية: تكرار كلمات أو عبارات بعينها (الإيكولاليا)، أو ممارسة سلوكيات حركية محددة.
الروتين الصارم: الانزعاج الشديد من أي تغيير بسيط في تفاصيل اليوم أو المكان.
الحساسية الحسية: ردود فعل غير معتادة تجاه الأصوات، الضوء، أو ملمس الملابس.
صعوبات التفاعل: صعوبة في فهم وجهات نظر الآخرين أو التعبير عن المشاعر بطريقة تقليدية.
وتؤكد د. هويدا أنه لا يوجد علاج سحري موحد لكل الحالات، بل هي خطة متكاملة تُصمم وفقاً لاحتياجات كل فرد، وتشمل، التدخل السلوكي والتربوي عبر برامج تعليمية خاصة وفصول دامجة تهدف لتعزيز استقلالية الطفل، وعلاجات النطق من خلال تحسين القدرة على الكلام، والعلاج الوظيفي والتكامل الحسي وذلك لمساعدة الطفل على التعامل مع مهارات الحياة اليومية. وتشدد د. هويدا، أن الدعم الأسري هو حجر الزاوية في رحلة التطور، وذلك لأن التشخيص المبكر يمثل دائماً نتائج أفضل، والاستمرارية في التدريب والتدخل السلوكي داخل البيت والمدرسة هي ما يصنع الفارق الحقيقي، مؤكدة أن هؤلاء الأطفال يمتلكون عالماً خاصاً، ودورنا هو مد الجسور للوصول إليهم، لا إرغامهم على الخروج منه.
رؤية إنسانية
بدوره يؤكد د. أحمد حمادي، رئيس الإدارة المركزية الأزهرية بسوهاج، أن الإسلام رسخ رؤية إنسانية راقية في التعامل مع الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، تقوم على مبدأ العدل والرحمة ورفع الحرج، مبينا أن التكليف في الشريعة مرتبط بالقدرة، ما يعكس فهمًا عميقًا لاختلاف القدرات البشرية، ويؤكد أن لكل إنسان مكانته وقيمته دون انتقاص، كما يدعو الإسلام إلى الرفق في التعامل، ويحث على دمج الأفراد وعدم عزلهم أو وصمهم، انطلاقًا من قيم التكافل الاجتماعي.
ويضيف د. حماد أن الإسلام ينظر إلى الإنسان بعين الكرامة قبل أي اعتبار آخر، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فالأصل في الإنسان الكرامة ، لا تُنقصها علة، ولا تُسقطها حالة، وإن اختلفت قدراته يبقى إنسانًا كاملا له الحق في الاحترام والرعاية وتقدير حالته، ثم تأتي رحمة التشريع لتقرر قاعدة عظيمة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وهنا تتجلى عدالة الإسلام، إذ يوازن بين التكليف والقدرة، فلا يظلم إنسانًا بعجزه، ولا يحاسبه على ما لا يملك.
ويؤكد د. حماد، أن الإسلام، يبقي رسالة عدل و رحمة قبل كل شيء، وإنسانيةً تعلو على الفوارق، فأصحاب القدرات الخاصة ليس عبئًا على المجتمع، بل أمانة في عنقه، واختبار لمدى صدق إنسانيته، ورقيه، وتحضره قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
«أول ما الدكتور قال إن ابني عنده توحد، حسيت إن الدنيا وقفت… كنت خايفة عليه من الناس قبل ما أخاف عليه من المرض»، هكذا تحدث والدة الطفل حسين البالغ من العمر ١٤ عاما، واصفة تلك اللحظة بأنها الأصعب في حياتها، بين إنكار وبكاء وأسئلة بلا إجابات، لكنها تؤكد أن ما تغير لاحقا لم يكن طفلها فقط… بل هي أيضاً.
وتحدثت عن التحدي قائله « قررت أتعلم.. مش أستسلم» ، هكذا لخصت الأم نقطة التحول، عندما بدأت تبحث، تقرأ، تتابع جلسات التخاطب، وتتعلم كيف تتواصل مع طفلها الذي لم يكن يتكلم، وكنت بفرح لما يبصلي في عيني… دي كانت بالنسبة لي إنجاز كبير.
وتؤكد والدة الطفل حسين مفيش يوم بيعدي سهل… بس كل خطوة صغيرة بيعملها ابني بتنسيني التعب كله”. وتضيف: نواجه الكثير من الضغوط النفسية، نتيجة نظرة المجتمع، ونقص الدعم، ما يجعل الرحلة أكثر صعوبة , وتطالب بضرورة نشر الوعي المجتمعي لتخفيف الضغوط، وتوفير مراكز تأهيل بأسعار مناسبة، لتقديم الدعم النفسي والارشاد للأسر.



