بقلم: اد. عادل القليعي
أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة السابق بآداب العاصمة
إنها ليلة ذات قدر ، نزلت على رسول ذا قدر ، وهبت هدية لأمة ذات قدر ، وقدرها من قدر من تفضل علينا بها ، إنه الله جل جلاله.
عندما سألت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم ، في أي يوم ألتمسها ، قال التمسيها فى العشر الأواخر من رمضان فى الليالي الوترية.
قالت وبماذا أدعو ، قال لها المعصوم صلى الله عليه وسلم ، قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. ثم أدعي بما شئت .
والحوار هنا يحمل طابعا تخصيصيا، لكن حتى وإن كان كذلك فهو تخصيص يتخلله تعميم، فالخطاب موجه إلى المسلمين المؤمنين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الله سبحانه وتعالى فضل بعض الأيام على بعض وبعض الشهور على بعض ، فأفضل الأيام يوم عرفات الله ، وأفضل الليالي ليلة القدر ، وأفضل الشهور ، الأشهر الحرم وأفضل شهور العام بإطلاق شهر رمضان المعظم.
وإذا كان ذلك كذلك ، فما المكرمات التي كرم بها الله تعالى هذه الليلة الكريمة ليلة القدر، أولى هذه المكرمات أنها ورد ذكرها فى القرآن الكريم صراحة ، بل وهناك سورة وردت باسمها(القدر)، وهذا دليل على عظم قدرها عند الله سبحانه وتعالى.
أما ثانية هذه المكرمات ، نزول القرآن في هذه الليلة على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، (إنا أنزلناه في ليلة القدر)،(إنا أنزلناه في ليلة مباركة).
وثالث هذه المكرمات ، نزول الملائكة ، ورئيسهم سيدنا جبريل عليه السلام ، إلى الأرض والانتشار بها مهللين ، مكبرين ، مصافحين عباد الله الصائمين ، القائمين ، الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.
نأتي إلى رابع هذه المكرمات ، تجلي الله تعالى على عباده ونزوله نزولا معنويا لا ماديا ، وضرورة ملحة أن ننوه جيدا إلى هذا الأمر ، نزول الله لا أحد يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى حتى نقطع الشك باليقين الإيماني عند من يشكك ويتنطع ، فالله تعالى مبرأ من كل محدث ، لأنه هو خالق المحدثات ومبدعها سبحانه وتعالى وكل ما سواه فان.
لكن من أولئك الذين ستصافحهم الملائكة وسيصافحهم الله تعالى ، هل سيصافحون المتشاحنون ، قاطعوا الأرحام ، أهل الفسوق والفجور ، هل سيصافحون أهل العربدة وأهل العصيان.
الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيب ولا يتكرم ويتعطف إلا على أهل الصلاح ، القابضون على دينهم كما يقبضون على الجمار، أهل التقوى والصلاح والفلاح ، رجال الله أولئك الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.
لكن السؤال الملح ، لماذا وهبهها الله لنا.؟!، الإجابة في منتهى البساطة لحب الله تعالى لنا ، وحبه تعالى لنا مستمد من حبه لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم لا وقد ورد أن أخبره تعالى بميقاتها ، إلا أنه نسيها منعا للتواكل والتكاسل من أمته أو أن يصيبهم تراخ فى الطاعة والعبادة متواكلين أنهم سيعلمون بموعد هذه الليلة وهي ليلة مستجابة الدعاء فيتراخون عن العبادة طيلة الشهر الكريم.
إن ليلة القدر هي بمثابة منحة ربانية وتتويج لأيام الشهر كله ، ومكافأة للعمال الذي أوشكوا أن يكملوا عدة شهرهم بعد عناء ومشقة الصوم وحرمانهم من شهواتهم في نهار رمضان ، فكان حق على الله تعالى أن يمنحهم هذه المكرمة.



