شهر رمضان هو شهر الفضيلة والمحاسن الكريمة، شهر المحبة والإخاء والتعاون وعمل الخير، والتزود بالتقوى التى هى خير زاد؛ كان من الطبيعي أن يتجدد الحديث عن النفس الإنسانية، وعن أخلاقها، وعن مدى صدقها مع ربها ومع الناس.
ففي هذا الشهر المبارك تتكشف حقائق كثيرة، وتسقط أقنعة، ويقف الإنسان أمام مرآة ذاته وقفة صدق ومحاسبة.
فرمضان هو شهر الصوم، شهر الاختبار الحقيقي لحقيقة النفس وكشف ستارها ونزع غفلتها؛ إذ إن الإنسان طوال العام قد يُلقي باللوم على الشيطان، الذي أصبح المتهم الأول في جميع مساوئنا وسيئاتنا، لكن في هذه الأيام الطيبة المباركة تتكشف الحقيقة جلية واضحة، فنجد النفس هي المسئولة الأولى عن معظم الأفعال، وتسقط عنها دعاوي البراءة، ونصطدم بحقيقة أن النفس الأمّارة بالسوء تقف خلف كثير من التصرفات والأخلاق الدنيئة.
وهنا يبرز السؤال: هل لنا من فرصة جديدة لتقويم النفس وتأديبها وتهذيبها؟ الإجابة في التحقيق التالى..
يقول الشيخ د. الأمير محفوظ، الإمام السابق لمسجد الإمام الحسين، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقًا، الحديث عن منزلة مكارم الأخلاق في الإسلام وعلاقتها الوثيقة بالعبادات، يجب أن يبدأ من تعريف مكارم الأخلاق حتى نتصور ما دعا إليه ديننا الحنيف في عقيدته وشريعته؛ فهي كل صفة اتصف بها الصالحون، يتعامل الإنسان بها مع الناس معبرة عن سريرته، محسنة لسيرته، وقد تجلى خلق الكمال في أنبياء الله ورسله الكرام، فهم قدوة الخلق في مكارم الأخلاق
مكارم الأخلاق
ويؤكد د. الأمير أن مكارم الأخلاق مقصد عام من مقاصد الإسلام الكلية، فما أمر الإسلام بعقيدة إلا وجدناها داعية إلى التحلي بكل مكرمة خلقية، وما شرع عبادة أو معاملة إلا ودعانا فيها إلى التخلق بكل خلق سني، والتخلي عن كل خلق رديء، فقد دعا إلى الصدق والأمانة في المعاملات لتعم البركة بين الناس، وحثّ القرآن الكريم على مكارم الأخلاق في مواضع كثيرة، فقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ووصف نبيه الخاتم بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) موضحا أن العلاقة بين العبادة والأخلاق علاقة وثيقة لا تنفصم، فقال: «الصلاة فريضة يومية، وقد قال الله عنها: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فلا يتوقع من المصلي أن يظل شاهد زور أو كاذبًا أو خائنًا.
وأراد النبي «صلى الله عليه وسلم» للمصلي أن يتحلى بالسكينة والوقار، فقال: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» كما ورد في صحيح البخاري.
ويوضح د. الأمير أن الصوم فريضة سنوية، والحج عبادة العمر، والزكاة عبادة مالية، وكلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحسن الخلق، حتى يدرك المسلم أن عبادته وأخلاقه صنوان لا ينفصلان، واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» كما رواه سنن الترمذي، والحديث جمع بين تقوى الله، والعمل الصالح، وحسن المعاملة، في نسق متكامل يبني شخصية المسلم، مشيرا إلى أنه من أعظم ما يُثقل ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شىء أثقل في الميزان من حسن الخلق» كما في سنن أبي داود.
ويتجلى حسن الخلق في الأمانة والعدل والصدق والحلم والرحمة، وهي صفات قد ترجح بكفة صاحبها فوق كثير من العبادات.
حسن الخلق
ومن جانبه، يؤكد د. السعيد محمد علي، وكيل وزارة الأوقاف ونائب الطريقة الرفاعية، على الارتباط الوثيق بين العقيدة والأخلاق، فيقول: «لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم علاقة قوية بين الإيمان وحسن الخلق من خلال شريعة التحية وإلقاء السلام، فقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» كما في صحيح مسلم، فربط دخول الجنة بالإيمان، وربط الإيمان بالمحبة، وربط المحبة بإفشاء السلام، فتتحقق بذلك قيم الاستقرار والأمن في المجتمع.
ويشير د. السعيد إلى ما حدث عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كما روى عبد الله بن سلام في سنن ابن ماجه، حين كان أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فالنبي دعا إلى سلوكيات يسيرة غير متكلفة، لكنها عظيمة الأثر، فقال: «تبسّمك في وجه أخيك لك صدقة…» كما في سنن الترمذي، فبين أن الصدقة ليست فقط عطاءً ماديًا، بل قد تكون كلمة طيبة أو بسمة صادقة، مستشهدا بموقف النبي مع الأعرابي الذي جذبه بردائه، كما ورد في صحيح مسلم، موضحًا أن النبي قابل الجفاء بالحلم، وسوء الأدب بالابتسامة والعطاء، ليعلم الأمة درسًا خالدًا في سمو الخلق.
ميزان الإسلام
وفي السياق ذاته، يوضح د. عاصم السعيد أن حسن الخلق من أعمال البر التي يتعامل بها المسلم مع الجميع، مسلمًا كان أو غير مسلم، بل ومع الحيوان أيضًا، مشيرا إلى حديث المرأة التي عُذبت في هرة حبستها، كما في صحيح البخاري، وأن سوء الخلق قد يكون سببًا في الهلاك، كما أن الإحسان قد يكون سببًا في المغفرة، كما في حديث المرأة التي سقت كلبًا فغفر الله لها، الوارد في صحيح مسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بين خطورة أذى الجار، حين سُئل عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام تؤذي جيرانها فقال: «هي في النار»، وعن أخرى قليلة العبادة لا تؤذي جيرانها فقال: «هي في الجنة»، كما في مسند أحمد. إنها منزلة عظيمة لحسن الخلق في ميزان الإسلام.
ويختتم بقوله: «قسّم النبي الناس إلى كَيِّس وعاجز، فقال: «الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» كما في سنن الترمذي. فالكَيِّس هو من حاسب نفسه، وراقب ربه، وأحسن خلقه، أما العاجز فهو من استسلم لهواه وأهمل تزكية نفسه. فاللهم خلّقنا بأخلاق أنبيائك ورسلك، واجعلنا من عبادك الصالحين، يا رب العالمين».



