بطولاتٌ تسكن ملامح ذويهم

يوم الشهيد.. إرثٌ لا يطويه النسيان

 الشهيد الرائد أشرف أحمد محمد
الشهيد الرائد أشرف أحمد محمد

في التاسع من مارس من كل عام، تقف مصر إجلالاً وتقديراً لأرواحٍ لم تبخل بالدم ليبقى الوطن، هو 'يوم الشهيد'؛ اليوم الذي لا نكتفي فيه باستعادة ذكريات المعارك، بل نستعيد فيه قصص البطولة التي سكنت البيوت وزرعت في قلوب الأبناء عزةً لا تنتهي. الشهيد ليس مجرد رتبة عسكرية أو اسم في سجلات النصر، بل هو حياةٌ كاملة بُذلت لنهنأ نحن بالحياة؛ وقصة حبٍ للوطن كُتبت بالدم، وإرثٌ ثقيل من الفخر تحمله الأسر والزوجات والأبناء.

في هذا الملف، نفتح خزائن الأسرار الإنسانية لأبطالٍ لم يهابوا الموت، نلمس قطرات الدماء على مقتنياتهم، ونقرأ وصاياهم الأخيرة في عيون بناتهم اللاتي كبرن ليصبحن 'نسخاً' من آبائهن الأبطال، ليكونوا شهود صدقٍ على أن دماء الشهداء هي النور الذي يضيء دروب الأجيال التي لم ترهم، لكنها عاشت على إرثهم.. هنا حكايا المصحف والبارود، والرؤى الصادقة، والعهود التي لا تنكسر.

زفّه النبي لمقعده في الجنة

مروة: رحل عني في ليلة عيد زواجنا

لم يكن الشهيد الرائد أشرف أحمد محمد مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان روحاً شفافة شعرت بدنو الأجل، قبل استشهاده بفترة، رأى في منامه النبي يبشره بمقعده: "يا أشرف أنت هتجيلي شهيد"، ما كان منه إلا أن كتم السرعن زوجته ؛ خوفاً على قلبها، وأسرَّ به لرفاقه، قائلاً: "لو أخبرتها فلن تتركني أخرج للشارع"، لكن نداء الواجب في أحداث 2011 كان أقوى من أي تمسك بالحياة.

تقول مروة الشرنوبي زوجته: أشرف قطع إجازته في عزّ برد الشتاء، وجمع حقيبته وملابسه التي لم تجف بعد، وحين سألته بلهفة الزوجة: "لماذا العجلة؟، أجابني بعزة الضابط: "زملائي في الشارع، وأنا أخجل أن أجلس في بيتي وهم هناك".

تتذكر "مروة" بمرارة ممزوجة بالفخرآخر خمسة أيام قضاها معهم، وكيف مُدّت إجازته يومين إضافيين فتهلل وجهه فرحاً بشكل غير معتاد، ليخبرها: "أنا هعيش معاكم يومين كمان"، وفي صباح الرحيل، تجلت أسمى معاني الأبوة والاحتواء؛ حيث أصرعلي توصيل ابنته ملك (التي كانت في الرابعة من عمرها آنذاك) إلى مدرستها بنفسه، وقبل أن يغادر، تشاركا لقمة" واحدة، قائلا لي: "عشان آخر حاجة بيني وبينك نكون قسمنا لقمة مع بعض"، وارتدى "الأفرول" الجديد الذي أحضره من خدمته في قوات حفظ السلام بالسودان، رغم تحذيراتها من لونه المميز، لكنه كان يشعر براحة غريبة فيه، وكأنه يختار كفنه الأنيق ليرحل به بطلاً بعد ثلاثة أيام فقط.

الشهادة

وبصوت يملأؤه الحزن تابعت: عشنا سويا سبع سنوات، منذ زواجنا في 10 مارس 2003، كان دائما يبادر بالاتصال بي في تمام الثانية عشرة ليلا ليهنئني بعيد زواجنا، وفي العاشر من مارس 2011 كنت انتظر مكالمته المعتادة ، رن الهاتف في الموعد المحدد تماما، قلبي خفق فرحا، لكن الصوت لم يكن صوته، كان ضابطا في المستشفي العسكري يسأل عن والده، شعرت بقلبي ينبض بالخبر قبل سماعه، وصرخت متسائلة: "أشرف مات؟"، وقتها استمديت قوتي من وصيته الدائمة التي كان يكررها منذ سفره للسودان: "خلي بالك من نفسك ومن ملك.. ربي بنتي زي ما أنا نفسي أربيها".

 لم تمر دقائق معدودة حتي اتصل والده ليؤكد لي الخبر" لقد استشهد أشرف في ليلة عيد زواجنا"، استشهد وهو يطارد مهربي سلاح ومخدرات في حي الجمرك ببورسعيد، رفض الراحة وأصرعلى مرافقة قائده لتأمين البلاد، ليرحل تاركاً لنا سيرة بطل لا تموت. 

ملك:أنا ابنة بطل.. وحلمي رَدُّ الجميل

هاتف والدي الذي يحمل دماءه.. أثمن مقتنياتي

كبرت "ملك"، وأصبحت اليوم طالبة جامعية متفوقة، لكنها ما زالت ترفض التخلي عن هاتف والدها الذي استلمه أهله وعليه قطرات من دمائه الزكية، تقول "مروة":"ملك صممت تأخذ الموبايل بكل ما فيه من فيديوهات وصور والدها، هي تشعر أنه لم يمت، بل يعيش معها"، سيرته لا تغادر المنزل؛ وصوره تزين الصالون وغرفة "ملك"، وزملاؤه الأوفياء في الدفعة يحيطونها بالرعاية في كل مناسبة، يقصون عليها بطولاته في الكلية، وحراسة قناة السويس، وفي السودان، لتظل صفة "الشجاعة والإخلاص" هي البوصلة التي توجه مستقبلها.

لم تنظر ملك إلى شهادتها الجامعية كإنجاز شخصي فحسب، بل كرسالة وفاء لوالدها؛ فهي تدرس وتجتهد وفي مخيلتها هدفٌ واحد: "أن أكون ابنة مخلصة لهذا الوطن، تماماً كما كان هو، لكي أثبت للعالم أن دماء والدي والشهداء الأبرار لم تذهب هباءً، بل أنبتت جيلاً يبني ويعمر ما افتداه الأبطال بأرواحهم".

وعلي الرغم من أن ألم الذكرى يرهقها أحياناً، إلا أنها تصرعلى الوقوف في التكريمات لتروي للعالم قصة بطل لم يتردد لحظة في تقديم روحه فداءً لمصر، لتظل تضحية والدها هي الدافع الأكبر لنجاحها، متخيلة ابتسامته وفخره بها لو كان حاضراً يرى تفوقها اليوم.

ومع قرب الاحتفال بيوم الشهيد من كل عام ، تنظر مروة إلى صورته مهنئة إياه: "كل سنة وأنت طيب يا شهيد..عيدك في الجنة"، أطمئن فأنا أكمل مسيرة تربية ابنتنها كما تمنيت".

 

ترشيحاتنا