أحد أبطال سلاح المشاة:
100 يوم حصار فوق" المر".. و"التوجيه 41" لزلزلة المعتدي
لم تبدأ رحلة العميد أركان حرب "محمد فكري" أحد أبطال سلاح المشاة مع الحرب في أكتوبر 73 فحسب، بل تعود جذورها إلى أيام النكسة عام 1967، حينها كان طالباً في الكلية الحربية، ولم تمنعه دراسته من تلبية نداء الوطن، حيث اشترك مع زملائه في مهمة وطنية للدفاع عن منطقة شرق القاهرة إبان النكسة، كان ذلك العام هو الاختبار الاول لجيل سيحمل علي عاتقه لاحقا عبء استرداد الأرض.
عقب تخرجه في عام 1968، التحق مباشرة بـ"الفرقة 19 مشاة " بالجيش الثالث الميداني، وتحديداً في اللواء الثاني مشاة ميكانيكي، خدم في موقع استراتيجي يسمى" حوض الضرس" بمدينة السويس، مطلاً على الخليج، هناك عاش فصول"حرب الاستنزاف" كاملة؛ وهي مرحلة يصفها بالقيود الشديدة، حيث كان يسود نظام "حظر التعامل" لترشيد استهلاك الذخيرة بانتظار استكمال التسليح، ورغم قصف العدو المستمر، صمد الأبطال وانهمكوا في التجهيز الهندسي حتى اكتملت القوة الهندسية وتحول الحذر إلي "ردع"، وبدأ الجيش المصري يصيب نقاط العدو الحصينة بدقة.
الوهم
يروي العميد محمد فكري كيف كان العدو يتباهى بتحصيناته؛ 160 كيلومتراً من القناة يحميها خط بارليف بـ "31 نقطة قوية"، مدعومة باحتياطيات تكتيكية من فصائل وسرايا الدبابات، واحتياطيات تعبوية في العمق من لواءات مدرعة ومشاة ميكانيكي، كان العدو يراهن على السيطرة الجوية والمانع المائي الذي اعتبروه"معجزة" يستحيل اختراقها، وظنوا أن بإمكانهم حصار أي اختراق من أحد الجيوش.
لكن في الخفاء كانت القيادة العامة المصرية تخطط بعبقرية ، فبينما كان الخداع الاستراتيجي والمناورات السنوية يصرفان نظر العدو كان الأبطال يتدربون بصمت في منطقة "برقاش" على الرياح البحيري، في بيئة تحاكي تماما قناة السويس، هناك تمت تجارب خراطيم المياه لفتح الثغرات، وطُبقت بدقة تعليمات "التوجيه رقم 41" للفريق الشاذلي الذي نظم كل صغيرة وكبيرة في عملية العبور، من عدد الجنود في القارب، إلى أنواع التسليح وكميات الذخيرة.
الزلزال
انطلقت الملحمة يوم السبت 6 أكتوبر، حيث دخلت القوات الجوية بأكثر من 200 طائرة بارتفاع منخفض، تدك مراكز القيادة الاسرائيلية، محدثة "هزة عنيفة" في صفوف العدو الذي فشل في استدعاء احتياطيه بفضل عنصر المفاجأة ونجاح خطة الخداع، ومع تمهيد نيران المدفعية لتعمية النقاط القوية بدأ العبور، وفي غضون يوم واحد، كان هناك 80 ألف مقاتل اقتحموا المانع الترابي وثبتوا أقدامهم شرق القناة.
وأكمل العميد محمد فكري أن المفاجأة التكتيكية الكبرى كانت صواريخ "المالوتيكا"، ففي الساعات الأولى، وقبل إنشاء الكباري التي استغرقت 8 ساعات لتعبر المدرعات، كان على المشاة مواجهة دبابات العدو وحدهم، وبأوامر القادة، دمر أبطال المشاة دبابات العدو على مسافة 1.5 إلى 2 كيلومتر، بينما كان الدفاع الجوي يحصد طائرات العدو، كان الجنود المصريون يأسرون الطيارين الذين هبطوا بالبراشوتات ليتم تسليمهم للمخابرات عند المعابر.

الاقتحام
وفي التاسع من أكتوبر، جاء التحدي الأكبر، باقتحام "جبل المر" الاستراتيجي - الذي يبعد 13.5 كيلومتراً شرق القناة، وكان العدو يستخدمه كمرصد لضرب مدينة السويس ومنطقة الزيتيات - تحت قيادة اللواء الفاتح كريم وبدعم من الفرقة 19 التي يتبعها اللواء والفرقة 7 بقيادة العميد ( أحمد بدوي) رحمه الله، بدأ الهجوم في الـ 9 صباحاً، كانت الأرض وعرة بكثبانها الرملية، ما دفع القائد اللواء الفاتح للترجل من مركبته ليقود رجاله مشيا علي الأقدام، واجهوا الطيران والهليكوبتر المسلح، وبصيحات "الله أكبر" اقتحموا الجبل، وفرّ جنود العدو تاركين مدافعهم الثقيلة من طراز "الزالحة 155 ملم"، فقام ضباطنا (ممن نالوا فرق قيادة الجنزير) بقيادة هذه المدافع والدبابات وحركوها داخل نطاق الفرقة 19، في عمل بطولي أذهل الجميع.
لم تتوقف المهمة عند الجبل؛ فقد كلفني اللواء الفاتح كريم بمهمة استراتيجية وهي إنشاء "نقطة قتال خارجية" تبعد 3 كم شرق الجبل، وفي الرابعة عصراً، تقدمت مع40 جندياً وعناصر من المهندسين والإشارة تحت قصف جوي من طائرات العدو ومدافع الـ 155 ملم مكثف، حتي وصلنا للتبة وقمنا باحتلالها، وزرعنا الألغام والأسلاك الشائكة ومدينا خطوط الاتصال، لتصبح هذه النقطة "العين" التي تمنع العدو من التقدم مرة أخرى لاسترداد الجبل.
الثبات
ثم جاءت مرحلة "الثغرة" في الدفرسوار، تلك المحاولة السياسية التي فكر فيها العدو بدعم أمريكي لخلق توازن في المفاوضات، ويروي العميد محمد فكري كيف أثر تطوير الهجوم المصري "بمشاركة أجزاء من الفرقتين 4 و21 لمساندة سوريا" علي الاتزان التعبوي غرب القناة مما أفسح المجال لفرق جنرالات العدو (شارون، أدان، وماجن) للتسلل ، لكنهم اصطدموا بصمود مدينة السويس والمقاومة الشعبية يوم24 أكتوبر، وبالأبطال الذين واجهوهم بـ (الأربيجيهات) وأجبروهم علي الاستغاثة.
أما أصعب الفترات، فكانت حصار الـ" 100 يوم" فوق جبل المر قبل فض الاشتباك، هناك، عاش الأبطال معركة بقاء؛ فكانوا يطبقون ترشيداً صارماً، حيث يتناولون تعيينات الطعام المخصصة ليوم واحد على مدار ثلاثة أيام، والمياه تقاس بالقطرة، متمسكين بالأرض حتى بدأت مفاوضات (الكيلومتر 101) وفض الاشتباك الأول والثاني، ليرحل العدو ويبقي جبل المر شاهدا علي جيل قهر المستحيل.




