كتبت رقية خالد
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة المعرفة، وتتعدد فيه مصادر التلقي، بات السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نُعلم أبناءنا فقط، أم نُربيهم؟
فالفرق بين التعليم والتربية لم يعد ترفًا فكريًا، بل تحول إلى قضية مجتمعية تمس حاضر الأمة ومستقبلها، وهو ما أعاد مؤسسات عريقة، على رأسها الأزهر الشريف، إلى إعادة النظر في منطلقات بناء الإنسان، والانطلاق من الطفل بوصفه حجر الأساس لأي نهضة حقيقية.
ومع التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، ظهرت فجوة واضحة بين ما يتعلمه الطفل داخل المؤسسات التعليمية، وما يواجهه في حياته اليومية، لتبرز الحاجة إلى التنشئة باعتبارها الإطار الأوسع و الأعمق.
في هذا السياق، يقدم مشروع “مكتب زمان لتنشئة الأطفال” نموذجًا مختلفًا، يعيد الاعتبار لفكرة التربية بوصفها الأساس الحقيقي لبناء الإنسان، لا مجرد حشو العقول بالمعلومات.
يقول الشيخ مصطفى رضا الأزهري، المدير التنفيذي لمشروع مكتب زمان ، إن العودة إلى التربية لم تكن خيارًا تنظيريًا، بل ضرورة فرضها الواقع: «مكتب زمان لا ينظر إلى الطفل باعتباره وعاءً للحفظ، بل مشروع إنسان يُبنى من الداخل قبل أن يُملأ بالمعلومات».
ويضيف أن التجربة العملية أثبتت أن تقديم التعليم قبل التربية يفضي غالبًا إلى خلل واضح: «التعليم إذا سبق التربية أخرج معرفة بلا خُلُق، وفهمًا بلا سلوك، وحفظًا لا ينعكس على الحياة».
سنوات التأسيس.. حيث يُصنع الوجدان
ويؤكد الشيخ مصطفى أن السنوات الأولى في عمر الطفل هي المرحلة الأخطر والأهم في تشكيل شخصيته، موضحًا: «في هذه المرحلة يتكوَّن الوجدان، ويتشكَّل الضمير، وتُغرس معاني الأمانة والانتماء وحب الخير، وهي أسس لا تصنعها الكتب وحدها، بل تصنعها التربية الواعية».
ومن هنا، جاء توجه مكتب زمان إلى بناء منظومة تربوية متكاملة، تعالج التحديات الفكرية والسلوكية والثقافية التي يواجهها الطفل المعاصر، لا الاكتفاء بالمناهج التعليمية المجردة.
التلقين أم التنشئة؟
وحول الفرق بين التلقين والتنشئة، يوضح الشيخ مصطفى رضا الأزهري:
«التلقين هو نقل المعلومة كما هي، مع التركيز على الحفظ والتكرار، وقد يُخرج طفلًا يعرف النص، لكنه لا يعيش معناه».
أما التنشئة — وهي الأساس الذي يقوم عليه مكتب زمان — فتمثل بناءً شاملًا للطفل: «عقل يفهم، وقلب يتأثر، وسلوك يظهر في الحياة اليومية».
ويشير إلى أن المعرفة في مكتب زمان ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للتربية، فيُعلم القرآن ليهذب السلوك، وتعلم العربية لتقويم الفكر واللسان، وتُغرس القيم بالممارسة والقدوة لا بالكلام المجرد.
النهضة تبدأ من الطفل
ويختتم الشيخ مصطفى حديثه بالتأكيد على أن أي مشروع نهضوي حقيقي لا بد أن يبدأ من الطفولة:
«الطفل هو بداية البناء وصانع المستقبل، ومكتب زمان يقدم نموذجًا حيًا لذلك».
ففي هذا المشروع، لا يُنظر إلى الطفل بوصفه متلقيًا سلبيًا، بل نواة لجيل واعٍ، منتمي، متحمل للمسؤولية، وقادر على النهوض بمجتمعه، وهو ما يثبت — كما يقول — أن النهضة الحقيقية تبدأ من التربية قبل التعليم.



