بقلم: الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَارَكَ فِي الْقَلِيلِ فَأَغْنَى، وَأَفَاضَ مِنْ جُودِهِ عَلَى عِبَادِهِ فَمَنَّ وَأَعْطَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى "الْمُبَارَكِ" حَيْثُمَا كَانَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي فَهِمَ عَنْ رَبِّهِ أَنَّ الشَّأْنَ لَيْسَ فِي الْكَثْرَةِ بَلْ فِي النَّمَاءِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْبَرَكَةِ وَالِارْتِقَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْأَرْقَامُ وَقَلَّتْ فِيهِ الْآثَارُ؛ فَالْمَالُ كَثِيرٌ لَكِنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي، وَالْأَعْمَارُ تَمُرُّ كَالْبَرْقِ لَكِنَّ الْإِنْجَازَ ضَعِيفٌ، وَالْبُيُوتُ وَاسِعَةٌ لَكِنَّ الرَّاحَةَ فِيهَا عَزِيزَةٌ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعُودُ إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مِحْوَرُ حَيَاتِنَا: "الْبَرَكَةُ".
مَا هِيَ الْبَرَكَةُ؟
الْبَرَكَةُ فِي مَنْهَجِنَا هِيَ "ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ". هِيَ جُنْدٌ خَفِيٌّ مِنَ اللَّهِ، إِذَا نَزَلَتْ فِي الْقَلِيلِ كَثَّرَتْهُ، وَإِذَا نَزَلَتْ فِي الْكَثِيرِ نَفَعَتْهُ، وَإِذَا نَزَلَتْ فِي الْعُمُرِ أَوْصَلَتْهُ لِمَقَامِ الرِّضَا. لَيْسَتِ الْبَرَكَةُ سِحْراً، بَلْ هِيَ "مَنْهَجُ حَيَاةٍ" وَصِلَةٌ بِالْمُبَارِكِ سُبْحَانَهُ.
مَوَاقِفُ وَقَصَصٌ فِي تَجَلِّيَاتِ الْبَرَكَةِ
1. بَرَكَةُ الطَّعَامِ (قِصَّةُ سَيِّدِنَا جَابِرٍ فِي الْخَنْدَقِ):
فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، حِينَ اشْتَدَّ الْجُوعُ بِالصَّحَابَةِ، رَأَى سَيِّدُنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَثَرَ الْجُوعِ عَلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَبَحَ "عَنَاقاً" (شَاةً صَغِيرَةً) وَطَحَنَتْ زَوْجَتُهُ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِرّاً: "تَعَالَ أَنْتَ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ".
فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنْ نَادَى فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ وَهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ سُوراً (طَعَاماً) فَحَيَّ هَلَا بِكُمْ!". انْزَعَجَ جَابِرٌ لِقِلَّةِ الطَّعَامِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَارَكَ فِي الْعَجِينِ وَفِي الْقِدْرِ، فَأَكَلَ الْأَلْفُ رَجُلٍ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ! هَذِهِ هِيَ الْبَرَكَةُ؛ حِينَمَا تَتَدَخَّلُ يَدُ الْقُدْرَةِ لِتَجْعَلَ "الْقَلِيلَ" يَسَعُ "الْجَمِيعَ".
2. بَرَكَةُ الْوَقْتِ (قِصَّةُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ):
عَاشَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فَقَطْ، وَهُوَ عُمُرٌ قَصِيرٌ بِمَقَايِيسِ الزَّمَنِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ لِلْأُمَّةِ مَكْتَبَةً عَظِيمَةً (الْمَجْمُوعُ، رِيَاضُ الصَّالِحِينَ، الْأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ...). حَسَبَ الْعُلَمَاءُ نِتَاجَهُ الْعِلْمِيَّ فَوَجَدُوا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ يَوْمِيّاً مَا يُعَادِلُ كُرَّاسَاتٍ طَوِيلَةً مُنْذُ وِلَادَتِهِ! كَيْفَ؟ إِنَّهَا بَرَكَةُ الْوَقْتِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْمُخْلِصِينَ، فَيَفْعَلُونَ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُمْ فِي سَنَةٍ.
3. بَرَكَةُ "بِرِّ الْوَالِدَيْنِ" (قِصَّةُ التَّاجِرِ الصَّدُوقِ):
يُحْكَى أَنَّ رَجُلَيْنِ بَدَآ التِّجَارَةَ مَعاً، أَحَدُهُمَا كَانَ لَا يَخْرُجُ لِسُوقِهِ حَتَّى يُقَبِّلَ يَدَ أُمِّهِ وَيَسْأَلَهَا الدُّعَاءَ، وَالْآخَرُ كَانَ يَرَى أَنَّ هَذَا "تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ". بَعْدَ سَنَوَاتٍ، كَانَ التَّاجِرُ الْأَوَّلُ يَمْلِكُ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ لَكِنَّ حَيَاتَهُ هَادِئَةٌ، أَوْلَادُهُ نَاجِحُونَ، وَصِحَّتُهُ طَيِّبَةٌ. أَمَّا الْآخَرُ فَمَلَكَ الْمَلَايِينَ، لَكِنَّهَا ضَاعَتْ فِي طَلَبِ الْعِلَاجِ لِأَمْرَاضِهِ، وَفِي مَشَاكِلِ أَبْنَائِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ. لَقَدْ مَحَقَ اللَّهُ بَرَكَةَ مَالِ الثَّانِي لِعُقُوقِهِ، وَبَارَكَ فِي قَلِيلِ الْأَوَّلِ لِصِدْقِ بِرِّهِ.
وَفِي مَقَامِ الْبَرَكَةِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا نَزَلَتْ رُوحُ الْبَرَكَةِ فِي الْقَلِيلِ ... غَدَا كَالْبَحْرِ فَيَّاضاً نَبِيلَا
وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي حَشْدِ الْأَمَانِي ... وَلَكِنْ فِي نَوَالٍ كَانَ جِيلا
فَرُبَّ دِرْهَمٍ سَبَقَ مِئَاتٍ ... وَرُبَّ عُمُرٍ قَدْ حَازَ الْجَمِيلَا
بِطَاعَةِ رَبِّنَا نَسْتَمْطِرُ النُّورَ ... فَيَغْدُو الصَّعْبُ فِي يَدِنَا ذَلِيلَا
كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الْبَرَكَةَ فِي بُيُوتِنَا؟
إِنَّ الْبَرَكَةَ مَنِيعَةٌ، لَا تَنْزِلُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَهُرَ، وَإِلَيْكَ مَفَاتِيحَهَا:
* صِدْقُ الْمُعَامَلَةِ: قَالَ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا». الْكَذِبُ يَمْحَقُ الْبَرَكَةَ وَإِنْ كَثُرَ الرِّبْحُ.
* الْبُكُورُ (سِرُّ النَّجَاحِ): دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا». مَنْ أَرَادَ الْبَرَكَةَ فَلْيَبْدَأْ يَوْمَهُ مَعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.
* الْبِسْمِلَةُ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ: لَا تَأْكُلُوا فُرَادى، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فَالْبَرَكَةُ تَنْزِلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَعَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ.
* الْقَنَاعَةُ وَالشُّكْرُ: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. الشُّكْرُ هُوَ قَيْدُ النِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ وَصَيْدُ النِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ.
خِتَاماً:
الْبَرَكَةُ لَيْسَتْ أَنْ يَمْتَلِئَ جَيْبُكَ، بَلْ أَنْ تَمْتَلِئَ رُوحُكَ بِالرِّضَا، وَأَنْ يَكُونَ قَلِيلُكَ كَافِياً، وَصِحَّتُكَ نَافِعَةً، وَعُمُرُكَ مَعْمُوراً بِالْخَيْرِ. فَلَا تَبْحَثُوا عَنِ "الْكَثِيرِ" بَلِ ابْحَثُوا عَنِ "الْمُبَارَكِ".
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَأَعْمَارِنَا، وَأَهْلِينَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مُبَارَكِينَ أَيْنَمَا كُنَّا.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.



