الإسراء والمعراج.. معجزة ربانية ذكرها القرآن وفسرتها السنة

صورة موضوعية
صورة موضوعية

د. حياة العيسوى:  جاءت تكريما لرسول الله صلى الله عليه وسلم

د. سمحاء عبدالمنعم: مشاهد أهل الجنة والنار عرضًا ربانيًا من الغيب  لإيقاظ  القلوب 

د.دينا سامى :  زيارة النبي للأقصى أثبتت أهميتها لجميع الديانات

 

تحتل ذكرى الإسراء والمعراج مكانة عظيمة عند المسلمين  حيث جاءت تكريما لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد رجيل عمه ابى طالب وزجته السيدة  خديجة" رضى الله عنها" وكشفت تصديق القوم بها قوى الايمان من ضعيفة  ولم تكن رحلة عادية بل كانت عرضا ربينا لمشاهد من الغيب تم ذكرها في القران وبينتها السنة النبوية لتؤكد  حدوث تلك المعجزة بالروح والجسد معا مما يثبت ان السنة المصدر الثاني للتشريع  بلا خلاف فرأى فيها ﷺ مشاهد كثيرة نذكر منها  أحوال أقوامٍ من الناس في النار واخرى  في الجنة  لأسباب علينا الحذر منها.

في هذا التحقيق نسلط الضوء على اسباب رحلة الاسراء ونستعرض مشاهد راءها الرسول صلى الله عليه وسلم ونوضح الاهمية التاريخية للمسجد الاقصى في الديانات عامة وللمسلمين خاصة  واختبار المشركين للرسول بسؤله عن موصفات الاقصى لاستنكارهم له .كما نحذر الشباب من الانسياق وراء الافكار المتطرفة التي تجرفهم للتشكيك في معجزات  دينهم وما علينا فعله في هذه الايام المباركة التي تعد البوابة الاولى لدخول شهر رمضان المبارك.                                                     

في البداية تقول د.حياة العيسوي منسق وحدة المرأة بالجامع الازهر والباحثة بمجمع البحوث الاسلامية ان الله سبحانه وتعالى حينما أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يجهر بدعوته عاداه القوم ،وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حاجة الى  حمايتين خارجية  من الكفار في الخارج ، وهذه الحماية متمثلة في عمه  أبي طالب وداخلية  في البيت ساعة راحته وسكونه وآمنه واستقراره وكانت  متمثلة في أمنا خديجة-رضي الله عنها ولكن الله سبحانه شاء أن تتوفى زوجته وعمه  في نفس العام وهنا يفقد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الحماية الداخلية والخارجية .

فأخذ سيدنا  محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لينطلق بالدعوة قدر استطاعته ، فقام برحلته إلى الطائف ، فآذوه وسلطوا عليه سفهاءهم  فوقف موقف الضارع إلى الله  سبحانه  وقال دعاءه الذي قال فيه : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى عدو يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أنارت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله " فكان حدث الإسراء والمعراج بعد الدعاء نتيجة لجفوة أهل الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم.                                                            

تكريم  فاق العقول

ونبهت ان هذه الرحلة  تكريم لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم ـ وأن يعوضه عما فقد فقال الله عز  وجل : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" معنى : " سُبْحَانَ " ؛ أي أن الله منزه في ذاته ، منزه في صفاته ، منزه في أفعاله ، فإذا صدر من الله عز وجل فعل ؛ فيجب أن أنزهه أنا عن قوانين البشر .  ولمنزلة هذا الحدث الجلل استهله الله - عز وجل - بقوله: : " سُبْحَانَ " ؛ حتى يكون أول ما يخطر ببال الإنسان لذلك الحدث العجيب الغريب ، الذي تقف فيه العقول  لأن قانون الله "عز وجل " ليس كقانون البشر  فالله هو السميع والبصير لما  تعرض لرسوله من الجفاء والاستهزاء والسخرية والإهانة والله - عز وجل ـ حين رأى  وسمع ذلك ، أراد بمشيئته أن يريه آياته ، فأسرى بحبيبه  صلى الله عليه وسلم.

ولفت ان ذكرى الاسراء تقع في شهر رجب المبارك ما يمنحها قدسية تاريخية ودينية عميقة فلا بد  من عدم التهاون في الوقوع في الذنوب خلال هذه الأيام المباركة فعلينا التدرج في الصيام لتهيئة البدن والروح، والمداومة على الاستغفار والتوبة وترك المعاصي، وقراءة القرآن الكريم من اهم ما يحرص عليه المسلم خلال هذه الايام مع الدعوة إلى تحويل الطاعات إلى سلوك مجتمعي ملموس عبر التبرع للمحتاجين لتخفيف معاناة الفقراء، وبذل الجهد والانخراط في الأعمال التطوعية، وتقديم المساعدة بالوقت والجهد، بما يعزز روح الخير والتكافل داخل المجتمع.

  الجنة والنار

ومن جانبها قالت د.سمحاء عبدالمنعم ابو العطا استاذ  مساعد بقسم الفقه  كلية العاشر من رمضان جامعة الازهر ان ليلة الإسراء والمعراج، لم تكن مجرد تكريمٍ للنبي ﷺ، بل كانت عرضًا ربانيًا لمشاهد من الغيب، رأى فيها ﷺ أحوال أقوامٍ من الناس؛ فرأى بالنار أناسًا لهم أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، والدماء تسيل منهم، فلما سأل عنهم، قيل: "هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ" ، ولم يكن العذاب في ألسنتهم، مع أن الجريمة صدرت منها، بل في وجوههم وصدورهم؛ جزاءً من جنس العمل فكما شوَّهوا سمعة الناس في الدنيا، شُوِّهت صورهم في الآخرة.

 

وأكدت ان هذا المشهد  يلفت النظر إلى خطورة اللسان ونُذَّكِر النساء  بأمرين في غاية الخطورة اولهما  الغيبة  التي  ليست حكرًا على المجالس فقط، فقد تكون تعليقًا ساخرًا، أو إشارة بالعين، أو حتى منشورًا عابرًا، والثانية النميمة: فهي نقلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإِفساد  والغيبة والنميمة من أقبح الذنوب المحرمة وأكثرها انتشاراً بين الناس، حتى ما يسلمُ منهما إلا القليل، ولقد نصحنا الله تعالى بالابتعاد عنهما، فقال تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)  وهذه المشاهد  في ذكرى الاسراء لم تُذكر للتخويف، بل لإيقاظ القلوب قبل فوات الأوان، والمرأة – بما أُوتيت من تأثير في الأسرة والمجتمع – مخاطبة بهذه الرسائل أكثر من غيرها، فطوبى للمرأة التي جعلت لسانها طريقًا لرضا ربها، لا سببًا لسخطه، وطوبى لبيوتٍ تُبنى على الشكر والستر، لا على الشكوى ولا التشهير. .                                                         

 

وأشارت الى ان الأصل تحريم الغيبة، لكنها تُباح لحاجة شرعية في ستة مواضع: للمظلوم أن يشكو ظلمه للقاضي أو من يملك إنصافه، وعند الاستعانة على تغيير المنكر: بذكر حال العاصي لمن يُرجى منه الإصلاح، وعند الاستفتاء: بذكر ما وقع للمفتي لطلب الحكم، والأفضل عدم التعيين إلا عند الحاجة، وكذلك تجوز الغيبة لتحذير المسلمين من الشر: كجرح الرواة والشهود، والنصيحة عند المشاورة، والتحذير من الغش أو الفساد أو أهل البدع لمن يُخشى عليه الضرر، وعند المجاهرة بالفسق أو البدعة: يجوز ذكر المُجاهِر بما أعلن به دون غيره، وعند التعريف بمن اشتُهِر بلقبٍ معين ولا يُقصد به إيذائه، مع أن تركه أولى إن أمكن.

                                                              

ولفتت الى  مشاهد تكريم للمرأة، فقد ثبت في مسند أحمد وغيره أن النبي ﷺ مرّ برائحة طيبة في الجنة، رائحة تحكي قصة امرأة لم تُكثر شكوى، ولم تُساوم على عقيدتها، ولم تجعل ضعفها عذرًا، بل جعلت إيمانها موقفًا، إنها ماشطة ابنة فرعون؛ امرأة عادية في ميزان الدنيا، عظيمة في ميزان السماء، لم تكن زوجة نبي، ولا صاحبة سلطان، لكنها حين خُيّرت بين الإيمان بالله وحياتها هي وأبنائها، اختارت الله، فخلّد الله أثرها، وجعل عطر ثباتها يُشمّ في الجنة وما بين مشهد النار ومشهد الجنة مسافة قرار.. قرار تصنعه امرأة كل يوم في كلمة تقولها أو تكتمها، في شكر تحفظ  به بيتها أو شكوى تهدمه، في صبرٍ يُورِث الجنة، أو سخطٍ  يقود إلى النار.

 

 المسجد الأقصى

وفى نفس السياق اكدت دكتورة دينا سامى حسن مدرس التفسير بكلية الدراسات الاسلامية  والعربية  للبنات بالزقازيق جامعة الازهر  ان زيارة النبى للمسجد الاقصى تؤكد الاهمية التاريخية  للقدس وللمسجد الاقصى لدى جميع الديانات  باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى سيد الوجود نبينا صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على عظمة تلك القبلة  فسماء مدينة القدس واسعة الفكر عميقة الوجدان  وتاريخها يعانق الأديان  ففيها مقامات الأنبياء وكرامات الأولياء ومدونات الأصفياء،  فما من نبي من الأنبياء إلا ولد فيها أو هاجر إليها  أو وطئت قدماه أرضها ، فكانت القدس مستوطناً لهم ابتداء بأبي الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وزكريا وداود وسليمان وعيسى عليهم جميعا السلام وفى جنبات مساجدها تخرج كبار العلماء ، وبرز قادة النجباء.

 

ونوهت  باهمية مسجد الاقصى لدى  المسلمين فهم ينظرون إلى بيت المقدس نظرة تقديس على أنه مركز لتراث ديني تجب حمايته ، وهم يربطون ربطا كاملا وثيقاً بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس ،  فإليهما يشدون الرحال ، وفي كليهما تراث ديني ممتد عبر التاريخ فإذا كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام قد وضع قواعد الكعبة في مكة المكرمة ، فإن جسده الشريف يرقد على مقربة من القدس والمسجد الأقصى الوارد ذكره في سورة الإسراء هو البقعة المباركة التي يطلق عليها الآن الحرم القدسي المحاطة بالسور العظيم ، والدليل على ذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبر قومه بالإسراء استنكروه أرادوا أن يمتحنوه بالاستيضاح عن صفة المسجد ، فأخذ يصفه لهم ويعد أبوابه بابا وهذه معجزه من معجزات الاسراء والمعراج .ً

 

الرحلة في السنة

واضافت ان  القرآن الكريم  ذكر رحلة الإسراء والمعراج فجاءت الآيات تحكي عن مدى العجب والعظمة في هذه الرحلة المباركة    وهنا اؤكد على اهمية  دور السنة النبوية من القرآن إما لتأكيد تلك المعجزة ، أو لتفصيلها بأشياء ومواقف لم تتسع لها آيات القرآن الكريم فجاءت الأحاديث لتفصل هذا الإجمال ، أو لاستلهام الفقه والعظات من تلك الرحلة المباركة  ، فقد جاءت السنة النبوية للتأكيد على حدوث تلك المعجزة بالروح والجسد معا

 

وذكرت ان أكثر من خمسة وأربعين صحابيا حدث بها  فلم تدع مجالا لإنكارها ، أو شبهة في التصديق بها ، ولترد على الشبهات المثارة حولها ؛ لأنها لو كانت بالروح فقط لما أنكر المشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم ولما دققوا في تفاصيلها ،  بل وصل بهم الأمر إلى اختباره وسؤاله عن صفة المسجد فجلى الله لنبينا صلوات الله وسلامه عليه المسجد أمام عينه ليؤكد على صدق معجزته

 

 واوضحت  ان  الصلاة  فرضت خمساً في تلك الليلة المباركة والسنة فصلت لنا عدد ووقت كل فريضة بموجب قول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي )  وأيضاً تفصيل أحاديث تلك المعجزة كانت لاستلهام العظات والفوائد من تلك التفاصيل فمثلا ما ورد في صحيح الإمام مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم (ركب البراق ) وهي دابة وسط بين الحمار والبغل إشارة إلى استلهام الوسطية والتي هي عنوان الدين قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا  لتكونوا شهداء على الناس )

 

وبينت ان السنة النبوية  الأحاديث  اكدت عدم ضلال تلك الأمة وكيف وهي اختارت اللبن دون الخمر ، وما ورد من أحاديث في انشقاق صدره صلى الله عليه وسلم قبل تلك الرحلة فيها من الاستعداد والتهيؤ وإخراج للقلب من جميع المخاوف العادية التي يجب التسليم لها ، وأكدت الأحاديث على  أن نهر النيل من أنهار الجنة وفيه دليل على مكانته وأنه من النعيم المعجل الذي ارتوى بماءه هذا الشعب العظيم وكل من قدم إلى تلك الأرض الطيبة.

 

 الشك والايمان

كما حذرت من الانسياق خلف المشككون واصاحب الافكار المتطرفة في رحلة  ومعجزة الاسراء والمعراج  ممن  يروجون للاحاديث الضعيفة والاقاويل مشبوهة ومنحرفة  على مواقع التواصل  هدفها زعزعة  وتشكيك  المسلمين والشباب في دينهم فأرجو الانتباه الى ما يحاق بهم من الأعداء من تسخير لثروات مهولة  ودفع أموال طائلة من أجل تشويش أمنهم الفكري عن طريق الفضاء الإلكتروني  فنجدهم يسارعون إلى رمي المجتمع دائما بالفساد والتكفير ويستخدمون نصوصاً دينية في غير محلها ولا مظانها ويجندون أرواحهم وصحتهم وأوقاتهم في ضلال أنفسهم أولاً بالخداع والتزييف وإضلال غيرهم وهو ما يعرف بالتطرف الديني

 

ووجهت رسالة الي الشباب  بتحكيم العقل في كل شيء وأن يتناسون أن أول عبادة للعقل هي الإيمان بالغيب والغيب قد اشتمل على أمور كثيرة قد تخالف العادة لكنها ممكنة الوقوع ، إن حماية الشباب من الأفكار المتطرفة تتطلب وعياً كاملاً بمدى الخطر الذي استوطن مجتمعنا ومناقشة هذه الأفكار والرد عليها بكل الطرق والوسائل الممكنة سواء في المدارس أو الجامعات أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ولابد من مواجهة خططتهم الدعائية بفكر ناضج عبر خطاب قوي وقادر على تفنيد أقوال المتطرفين وكشفها أمام الجمهور بوصفها سلوكا منافيا للإنسانية والسلام والحضارة ،

 

و دعت الى ضرورة الاهتمام بفئة الشباب وتمكينهم اجتماعيا واقتصاديا وتقديم الدعم لهم خاصة المناطق الفقيرة والنائية لأنها بؤر استقطاب ومنابع لنمو الإرهاب ، فلا بد من فتح قنوات للحوار معهم وترسيخ مفهوم التعايش السلمي واستغلال تلك القدرات والطاقات في خدمة البلاد وإرساء مبادئ القيم والسلام  والعدالة  للإنسانية كلها . .

 

ترشيحاتنا