البشعة… "محكمة النار" بين الخرافة والواقع

وزارة الأوقاف
وزارة الأوقاف

البشعة… "محكمة النار" بين الخرافة والواقع

 

د. دعاء توفيق: تضعف الثقة في القانون وآثارها خطيرة علي المجتمع

د. سارة الجيلاني: اعتقاد غير صحيح لاعتمادها على الخوف النفسي

أيمن محفوظ:  جريمة مكتملة الأركان تصل عقوبتها لــ١٠ سنوات

د. فودة السيد: محرمة شرعا وإيقاع الأذى بها ظلم وخطأ عظيم

 

تحقيق: سالم عبد النبي – محمود حسن

 

في عمق الصحراء، حيث تتشابك الأعراف مع الإرث القبلي، ما زالت بعض المجتمعات تحتفظ بممارسة غريبة ومثيرة للجدل: البشعة، أو ما يُعرف بـ"محكمة النار"، التي يُجبر فيها الإنسان على لعق قطعة معدنية محماة حتى الإحمرار، لتحديد براءته أو إدانته حسب زعم القائمين بها.

انتشرت الظاهرة مؤخراً على خلفية مقطع فيديو لفتاة أُجبرت على الخضوع لهذه الطريقة المهينة لإثبات براءتها، ما أثار موجة غضب قانونية ودينية واجتماعية، فهل هي عرف مشروع؟ أم جريمة مكتملة الأركان؟ وهل يمكن للنار أن تنطق بالحق؟

يرى محللون بأن أسباب استمرار هذه الظاهرة يتمثل في الإرث القبلي القديم والاعتماد على العرف، والحكم الشرعي والقانوني، مع رغبة البعض في سرعة حسم النزاعات دون اللجوء للقضاء، وكذلك الثقة الزائدة في "البشاع" كشخصية نافذة، مع الخوف الاجتماعي والضغط الجماعي على المتهمين.

تقول د. دعاء توفيق، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن الشرائع السماوية جاءت لترسيخ قواعد العدل، والقضاء العادل المبني على البينة وحقوق الإنسان: فالإسلام رفض كل ممارسات إثبات التهمة بغير دليل، كما حرّم إيذاء النفس واعتبر تعذيب الإنسان جريمة أخلاقية ودينية. والمسيحية تدعو إلى الرحمة واحترام كرامة الإنسان، وترفض الأحكام المبنية على الخرافة أو الإضرار الجسدي.واليهودية تقوم محاكمها الدينية على الشهود والأدلة لا على الاختبارات الإكراهية، إذًا  تتفق جميع الأديان على أن البشعة لا يمكن أن تكون وسيلة شرعية لإثبات الحقيقة

وتضيف أستاذ علم الاجتماع، أن البشعة  آلية ضبط اجتماعي ظهرت في مجتمعات تفتقر لمؤسسات قضائية رسمية، ووسيلة لفضّ النزاعات دون حروب أو ثأر ، وأداة لبقاء هيبة الشيخ أو البشّاع كحامٍ للعرف، مبينة أن علماء الانثربولوجي، حللوا الظاهرة وحددوا آثار استمرارها في بعض البيئات، وتوصلوا إلي أنها تشكّل عبئًا حضاريًا يعرقل مسار العدالة الحديثة.

آثارها خطيرة

وتشير د. توفيق إلي أن هذه الممارسة رغم رمزيتها التاريخية تحمل آثارًا خطيرة على المجتمع، مثل تعزيز منطق الخوف بدلًا من الثقة في القانون، حيث يصبح الصمت أو الألم بديلًا عن الحقيقة، فضلا عن تشويه مفهوم العدالة بجعل الجسم هو المعيار وليس الدليل، ما يبدّد الثقة في المؤسسات القضائية، وسيطرة من يمتلك سلطة العرف، في مقابل تهميش صوت الضحية أو الضعيف بالإضافة إلى وصم الأبرياء، فكم من لسان احترق ظلمًا لأن صاحبه ارتبك أو خاف.

وتعدد أستاذ علم الاجتماع  بعض آثاره السلبية الأخري مثل تطبيع الإيذاء الجسدي بوصفه وسيلة لتحقيق الحق، مما يفتح المجال للعنف الرمزي والجسدي في أشكال أخرى من العلاقات الاجتماعية. مستدركة أنه رغم ما قد يبدو من “عدالة نارية” في البشعة، تبقى وسيلة غير إنسانية لا تحترم العقل ولا الجسد ولا الشرع.

وتؤكد أن العدالة اليوم لا تحتاج نارًا تكوي الألسنة، بل حقائق تكشفها الأدلة، ومؤسسات تحمي حقوق الإنسان. متسائلة هل آن الأوان لدفن هذه الشعائر المؤلمة في صحراء التاريخ.. أم أنها ستبقى شعلة تتوارثها بعض القبائل دفاعًا عن هويتها؟

وتستطرد قد توهمنا النار أحيانًا بأنها تعرف الحقيقة، وأن وهج الحديد قادر على فضح ما تُخفيه الصدور. لكن التاريخ نفسه يعترف بأن العدالة لا تُنتجها القسوة، بل يصنعها العقل والإنصاف. فالبشعة لم تعد اليوم سوى ظل لعصرٍ افتقر للأدلة ولغة القانون، داعية إلي إطفاء  نار البشعة، وجعل القانون والعلم هما الشاهدان الوحيدان على الحقيقة.

 

من جانبها تقول د.سارة الجيلاني، إخصائي الصحة النفسية: لسان الإنسان عضو شديد الحساسية، مليء بالسوائل، ويتأثر فوراً بالحرارة، التي تنتقل من المعدن إلى اللسان مسببة حرقا فورياً. مبينة أن الاعتقاد بأن "البريء لا يحترق لسانه" غير صحيح، لكنه يعتمد فقط على الاستجابة البيولوجية للفرد والخوف النفسي، ما يؤكد أن الصدق لا علاقة له بالنار، بل بالحقائق والدليل.

جريمة قانونية

أما المستشار أيمن محفوظ، المحامي بالنقض ، فيؤكد أن القانون المصري لا يعترف بجريمة اسمها “البشعة”، لكن هذا لا يعني إفلات مرتكبيها من العقاب، فهي  تندرج تحت جرائم عديدة أبرزها الإيذاء العمدي والإصابة بالعاهة المستديمة».

ويشير إلى أن العقوبات قد تصل إلى 10 سنوات إذا ترتب على البشعة إصابات خطيرة، وذلك وفق المواد 240 – 243 من قانون العقوبات، بالإضافة إلى اعتبار “عصا البشعة” أداة إجرامية.

كما يُصنف محفوظ الظاهرة ضمن جرائم الدجل والشعوذة والنصب طبقاً للمادة 336 عقوبات، مؤكداً أن العقوبة قد تصل إلى 3 سنوات، مؤكدا أن القانون يعتبر المحرض شريك ويعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي وفق المادتين 40 و41 عقوبات، كما تجرم المادة 171 عقوبات التحريض العلني إذا ترتب عليه وقوع الجريمة، أما من وافق على إجراء البشعة ضد نفسه فيقدم للمحاكمة بتهمة الإضرار بالنفس، والعقوبة قد تصل إلى السجن بحسب جسامة الإصابة.

ويوضح محفوظ أن وحدات الرصد بوزارة الداخلية ومكتب النائب العام تتحرك بمجرد انتشار فيديو يمثل جريمة، حتى لو لم يتقدم أحد ببلاغ. مؤكدا أن النيابة ملزمة وفق المادة 25 إجراءات جنائية بتحريك الدعوى إذا اكتشفت الجريمة أثناء التحقيق أو عبر الرصد الإلكتروني.

ويضيف أن مصر ملتزمة باتفاقيات دولية متعددة منها: إعلان القضاء على العنف ضد المرأة 1993، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، مبينا إلى أن إجبار امرأة على “البشعة” يعد اعتداءً على سلامتها الجسدية والنفسية ولا يجوز تبريره بعرف أو تقليد.

ويشدد المحامي بالنقض بضرورة إطفاء نار البشع، فالحق لا يُعرف بكي، البشعة مؤكدا أنها ليست تراثا بريئاً، ولا عرفاً مقبولاً، بل جريمة مركبة: تعذيب، إيذاء، إذلال، دجل، وانتهاك للكرامة، فالنار قد تخدع العيون لكنها لا تكشف الحقيقة، التي تُثبت بالعلم والقانون والعدل، لا بالتهديد والألم، فلنرفع قيمة الإنسان فوق كل عرف يحاول حرق الحق، ولنُطفئ نار البشعة إلى الأبد.

عادة قديمة

ويضيف د. فودة السيد فودة، مبعوث وزارة الأوقاف بموزمبيق، أن البشعة في أصلها عادة قديمة كانت سائدة قبل نشوء الدولة الحديثة، وهي صورة من صور الامتحان البدائي الذي لم يكن يعتمد على علمٍ ولا شرع، وإنما على الخرافة والخوف والإذعان وهي من الناحية الشرعية، محرَّمة ولا تجوز، ولا يجوز الاعتماد عليها في ثبوت حقٍّ ولا نفي تهمةٍ ولا إصدار حكم.

مشيرا إلي أن علماء الأمة أجمعوا على أن الأحكام الشرعية لا تُبنى على الظنون ولا على التجارب البدائية، وإنما تُبنى على البيِّنات الشرعية التي حدّدها القرآن والسنة، مثل الشهادة العادلة، والإقرار الصريح، والقرائن القوية المعتبرة، لقوله تعالي : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم، ولكن البيِّنةُ على المُدَّعي واليمينُ على من أنكر» , فالنبي صلي الله عليه وسلم وضع قاعدة ذهبية: لا تُؤخذ حقوق الناس ولا تُثبت الجرائم إلا بالبيِّنات، وليس بمجرد الظن أو إرهاب المتهم، أما إيقاع الألم بالإنسان من أجل استخراج الحقيقة، فهذا يدخل في باب التعذيب المحرّم شرعًا؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». وهو نصٌّ صريح يقطع بحرمة كل وسيلة تُخضع الناس للأذى من أجل الاعتراف.

ويضيف د. فودة أن البشعة عادة جاهلية لا يجوز إحياؤها، ولا يجوز لأحد أن يُكره إنسانًا عليها، وهي محرمة شرعًا ومجرَّمة قانونًا، وإيقاع الأذى بها ظلمٌ وخطأ عظيم , والشريعة الإسلامية جاءت لحفظ النفس والكرامة والعدل، وكل هذه المقاصد تنتقض تمامًا بالبشعة , كما أن الدولة اليوم تمتلك وسائل علمية حديثة لكشف الحقيقة، ولا حاجة البتة لممارسات تحطّ من كرامة الإنسان وتُعرضه للأذى بلا دليل، ناصحا أهل القرى جميعًا بأن يلجأوا إلى القضاء، وأن يتركوا ما تعارفوا عليه من أساليب لا تمت للدين بصلة، فالعدل لا يُؤخذ بالنار بل بالحق، ولا يُعرف بالترهيب بل بالحجة والبيّنة.

 

 

 

ترشيحاتنا