القانون الجديد خطوة تشريعية توافق مقاصد الشريعة
د. محمد مهنا: يوازن بين العدالة الجنائية والحقوق والحريات
د. عبدالفتاح العواري: امتداد لما جاء في الشرع ويرسخ لقيمة الرحمة
د.ذكري علي: هدفه إصلاحي لحفظ النفس والكرامة
يمثل القانون سيادة الدولة، وهيمنتها ضد كل من تسول له نفسه الخروج عن نصوصه وارتكاب أفعال غير مسؤولة تخل بالسلم والأمن العام، لذلك حرص الرئيس السيسي منذ أيام على إصدار قانون الإجراءات الجنائية، بعد الموافقة على التعديلات النهائية، وهو ما يمثل خطوة تشريعية تاريخية تعزز بناء دولة القانون والمؤسسات، وتأتي امتدادًا لمسار التطور التشريعي الشامل الذي تنتهجه الدولة المصرية.
وأكد علماء الشريعة أن المتتبع لمدونات الفقه الإسلامي يرى أن الفقهاء قد وضعوا واستحدثوا فيما كتبوه ودونوه ما يمكن أن نطلق عليه نواة القوانين الوضعية الحديثة.
وأضافوا أن الكم الهائل من القوانين المستحدثة في أعصارهم مستنبط من عموم الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، وسائر مصادر التشريع كالقياس، والإجماع، والاستحسان، والاستصلاح.
يقول د. محمد مهنا، أستاذ القانون بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، إن الرئيس السيسي قد أحسن بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، بعد موافقة مجلس النواب على تعديلاته، بما يزيد من الضمانات المقررة لحماية الحقوق والحريات العامة، ويحول دون وقوع اختلاف في التفسير أو إشكاليات في التطبيق، مبينًا أن قانون الإجراءات الجنائية يمثل نقلة نوعية جديدة في السياسة العقابية القائمة على التوازن بين العدالة الجنائية وحقوق وحريات المواطنين.
ويستطرد أن القانون المصري يحرص كل الحرص على استنباط معظم أحكامه من أصول الشريعة الإسلامية، موضحًا أن التشريع الإسلامي نظام شامل، فهو يحكم الإنسان وتصرفاته في كل حالاته: في خاصة نفسه، وفي صلته بالله تعالى، وفي علاقاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقة الأمة الإسلامية بالدول الأخرى. مشيرًا إلى أن التشريع الإسلامي ينظم كل هذه العلاقات ببيان القواعد التي تهيمن عليها وتحكمها على اختلاف أنواعها، وذلك يرجع إلى أن الإسلام ليس عقيدة دينية فحسب، بل دين وأخلاق ودولة بكل ما تتسع هذه الكلمة من معنى ومدلول.
ويبين د. مهنا أن التشريع الإسلامي، بالإضافة إلى اشتماله على أحكام العبادات التي تنظم صلة العبد بربه وخالقه، فإنه يشتمل على القانون بقسميه الكبيرين: القانون الخاص والقانون العام؛ ففيه القانون المدني الذي يعتبر أصل القانون الخاص بجميع فروعه الأخرى، وفيه القانون التجاري، وقانون المرافعات، والدولي الخاص، ثم فيه القانون الدولي العام، والقانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون المالي الذي يلحق به، ثم القانون الجنائي.
التشريع الإسلامي
ويضيف أستاذ الشريعة والقانون أن التشريع الإسلامي قد عرض لكل مسائل القانون بأقسامه وفروعه العديدة المختلفة، وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى إيضاح أو تعليل، ما دام أنه كان تشريعًا كاملًا للأمة الإسلامية في كل أحوالها الداخلية والخارجية، وكذلك لكل أمة أخرى تريد الخير لنفسها. لافتًا إلى أن هذا التشريع الشامل والغني بأصوله القوية وأحكامه الصالحة لكل زمن ومكان، قامت عليه الأمة الإسلامية قرونًا طويلة، واستلهم منه الغربيون أنفسهم قوانينهم الوضعية، أيام كانوا يعتبرون المسلمين عباقرة ومثلاً عليا في كل شيء، وبخاصة فرنسا التي استمدت قانونها المدني الذي وضع عام 1805 ميلادية من مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه.
كما أنه لم تأتِ سنة مائتين من الهجرة حتى كان مذهب مالك قد ساد في الأندلس في الحكم والقضاء، وهو لا يزال سائدًا في المغرب الإفريقي حتى اليوم، وكانت بلاد الأندلس يفد إليها علماء أوروبا يغترفون من العلم الإسلامي ويستضيئون بنوره، وهي مع هذا قطعة من أوروبا، وبذلك يكون التشريع الإسلامي قد حكمت به أقاليم من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وتابع د. مهنا أنه بعد تعاقب الأزمنة على انتشار مذهب مالك في تلك الأصقاع، استمرت قواعده وأحكامه معروفة في تلك البلاد بعد خروج المسلمين منها، واستلهم منه واضعو القانون المدني الفرنسي حين آن لفرنسا أن تضع لها قانونًا مستقلاً، وليس على من يريد التأكد من ذلك سوى أن يقوم بشيء من المقارنات بين التشريع الإسلامي وبين القانون المدني الفرنسي، هذا القانون الذي هو الأصل الأول لقوانيننا الوضعية الحديثة.
ويبين أنه بعد أن تزحزح المسلمون في أزمان ماضية عن قيادتهم للعالم، وأخذ علماء الفقه الإسلامي بالتقليد في الأحكام الشرعية، وقف الاجتهاد في التشريع، وانزوى الفقهاء عن الحياة العامة قليلًا حسب الأزمان المختلفة، وهو ما أدى لاصطناع قوانين لا تتفق وديننا وتقاليدنا، قوانين كان التشريع الإسلامي الملهم الأول لاستنباطها.
سمو التشريع
ويؤكد د. مهنا أنه إذا دخلنا في مقارنات كثيرة بين التشريع الإسلامي والتشريعات الوضعية القديمة والحديثة، يتبين لنا سمو التشريع الإسلامي على غيره من القوانين الوضعية في نواحٍ كثيرة ليس من اليسير عدها وإحصاؤها.
ومنها ما رآه د.علي بدوي، وهو أحد المصريين الأعلام في القانون، أن التشريع الإسلامي له استقلاله عن غيره من التشريعات القديمة، وأنه يفوق في كثير من النواحي غيره من التشريعات الحديثة؛ ومن ذلك نظام «الحبسة»، وهي وظيفة اجتماعية قانونية إسلامية تقابل وظيفة النيابة العمومية اليوم، ونظام العقاب بالتعزير، وهو ترك تحديد العقوبة نوعًا ومقدارًا للقاضي فيحكم بما يراه تبعًا لما يراه من ظروف الجريمة وحالة المجرم ونفسيته، وهو نظام يمتاز به الفقه الإسلامي، وينادي به كبار العلماء الجنائيين في العصر الحديث.
كما أن د.شفيق شحاتة، الأستاذ بكلية الحقوق، يقول في بعض ما كتبه: إنه إذا أردنا المقارنة من حيث قيمة النظم القانونية، وجدنا التشريع الإسلامي قد سبق التشريع الروماني في تقدير بعض المبادئ العظيمة، ومنها مبدأ انتقال الملكية لمجرد الاتفاق (أي بلا حاجة لإجراءات رسمية وأمور شكلية)، ومبدأ سلطان الإرادة (أي إرادة كل من المتعاقدين). فضلًا عن مبدأ النيابة التعاقدية؛ كما يقول، وهو بصدد بحث نظرية النيابة: إن هذا لم يصل بطريق الوكالة أو الفضالة، ومبدأ النيابة هذا لم يصل إليه التشريع الروماني إلا بعد جهاد عنيف، وهو قد بقي مجهولًا من التشريع الفرنسي القديم، أما الفقه الإسلامي فقد قال بالنيابة التامة، وبالنيابة التامة إلى حدود بعيدة جدًّا.
ويشير أستاذ القانون إلى ما قاله الأستاذان د.عبد الرزاق السنهوري و د.أحمد حشمت أبو ستيت في المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني: «لم تسلك الشريعة الإسلامية في نموها الطريق الذي سلكه الفقه الروماني؛ لذا فإن هذا القانون قد نما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية، أما الشريعة الإسلامية فقد بدأت كتابًا منزلًا ووحيًا من عند الله، ونمت وازدهرت عن طريق القياس المنطقي والأحكام الموضوعية، إلا أن الفقهاء المسلمين امتازوا على فقهاء الرومان، بل وفقهاء العالم، باستخلاصهم أصولًا ومبادئ عامة من نوع آخر، هي أصول الأحكام من مصادرها، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه».
خطوة جيدة
ويقول د. عبد الفتاح بهيج العواري، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بأسيوط، إن تصديق الرئيس السيسي على قانون الإجراءات الجنائية بعد التصويت عليه وإقراره من مجلس النواب، يعد خطوة جيدة على طريق العدالة، مؤكدًا أن القانون الجديد يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية؛ وذلك لأن الشريعة كفلت الحماية للإنسان وكرامته، من خلال النص على حفظ النفس والعقل والمال والعرض.
وباستعراض مواد القانون الجديد نجد أنه قد سعى إلى ترسيخ هذه المقاصد من خلال النص على ضبط إجراءات القبض والتفتيش، وضمان العدالة، مما يبين أن هناك توافقًا بين مبادئ الشريعة وما أتى به القانون الجديد.
ويوضح د. العواري أن القانون الجديد يراعي أيضًا تطبيق الرحمة، معللًا ذلك بأنه إذا تأملنا في مبادئ التشريع الإسلامي الحنيف سنجد أنها جاءت إلى الإنسانية بالعدل والرحمة؛ فمثلًا: جريمة القتل العمد إذا ثبتت على القاتل، عقوبتها في الشريعة الإسلامية القصاص، أو الدية عند عفو ولي الدم، وهذا ما جسده القانون الجديد من خلال النص في المادة (22) على إثبات الصلح في أي حالة كانت عليها الدعوى، ومن ثم يترتب على ذلك تخفيف العقوبة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات.
وتقدم بالشكر إلى الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر، وهيئة كبار العلماء، الذين بادروا بتقديم هذا المقترح إلى مجلس النواب، والذي من شأنه أن يساهم في إتمام الكثير من المصالحات التي تقوم بها لجان المصالحات، وبصفة خاصة في (جرائم الثأر)، التي أودت بالكثير من الأبرياء.
وينوه عميد الشريعة والقانون بأن القوانين راعت حقوق المرأة والطفل، وسبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تكريم المرأة، وحافظت على حقوقها، وذلك من خلال إقرار الملكية الخاصة لها، وحقها في الميراث، وحقها في العمل، وحمايتها من العنف الأسري وغيره، كما حافظت على حق الطفل في الرعاية والتعليم والرضاع والحضانة، وبناءً على ذلك يتضح أن ما أقرته القوانين الوضعية وترجمته إلى نصوص قانونية يعتبر امتدادًا لما جاءت به الشريعة الإسلامية.
مبادئ إسلامية
كما يوجد رابط مشترك بين القيم الدينية والتشريعات الحديثة يتجلى بوضوح في حماية كرامة الإنسان، والنهي عن التجسس، وعدم الإكراه، لقوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» رواه البخاري.
مشيرًا إلى أن ما نشاهده اليوم هو أن هذه القوانين الحديثة ترجمت هذه المبادئ الإسلامية الراقية إلى نصوص مواد تضمن للإنسان حقه في الكرامة والخصوصية.
وتابع د. بهيج أن حماية المساكن الخاصة حق أصيل من حقوق الإنسان، لذلك أولته الشريعة الإسلامية اهتمامًا كبيرًا، وقررت حق الإنسان في حرمة وحماية مسكنه، بل وجعلت ذلك من أهم خصوصياته التي لا يجوز الاعتداء عليها، وأمرت بالاستئذان قبل دخولها، لقوله تعالى في محكم التنزيل: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون...»
وقد ورد أن رجلًا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسلم ولم يستأذن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟» أخرجه الترمذي.
مبينًا أن القوانين الوضعية قد نصت على هذا المبدأ وذلك بمنع دخول المنازل إلا بإذن قضائي، وضمنت عدم انتهاك الحرمة الخاصة للأفراد.
وبذلك يتبين أن هناك توافقًا بين ما أقرته الشريعة الإسلامية وما تضمنته القوانين الوضعية في الحفاظ على حرمة المسكن الخاص للإنسان وصون كرامته.
حماية المجتمع
من جانبه يشيد د. ذكري عبد الرازق محمد، وكيل كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، بتصديق الرئيس السيسي على قانون الإجراءات الجنائية الجديد، تمهيدًا لدخوله حيز التنفيذ اعتبارًا من أول العام القضائي التالي لتاريخ إصداره، لافتًا إلى أن قوانين الإجراءات الجنائية تهدف بشكل عام إلى تحقيق مجموعة من الغايات، منها تحقيق العدالة الجنائية، وحماية المجتمع من الجريمة، والحفاظ على الحرية والخصوصية والكرامة.
ويشير د. ذكري إلى العلاقة الوثيقة بين التنظيمات القانونية الحديثة وبين الشريعة الإسلامية، وحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحقيق الرحمة والعدالة، وحماية الحقوق الأساسية للإنسان، وكذا تكريم المرأة والطفل على نحو يتسق مع التراث التشريعي الإسلامي ومعايير العدالة المعاصرة.
ويؤكد أن مقاصد الشريعة الإسلامية تعتبر الإطار الكلي الذي وضعه الإسلام لحفظ الضرورات الخمس للإنسان: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
مشيرًا إلى أن مبادئ حماية الحقوق والحريات لم تكن ابتكارًا حديثًا، بل قررتها الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، حين جعلت الإنسان محورًا للتشريع، واعتبرت صون كرامته مقصدًا أصيلًا، وما نراه اليوم في الدساتير والقوانين ليس إلا تطبيقات وإجراءات تفصيلية لمبادئ أرستها الشريعة الإسلامية منذ القدم.
ويوضح وكيل الشريعة والقانون أن الشريعة قررت أن النفس الإنسانية مصونة، وجعلت حفظها من الضروريات الشرعية، واعتبرت الاعتداء على الحرية أو الكرامة جريمة، وربطت تقييد الحرية بضوابط صارمة، في وقت لم يعرف العالم فيه شيئًا اسمه حقوق الإنسان.
مضيفًا أن كل ما تنص عليه الدساتير اليوم من حماية للسلامة الشخصية والحرية، هو امتداد لمبدأ الشرعية والعدالة الذي وضعته الشريعة في قوله تعالى: «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا».
بينما لم يظهر إعلان حقوق الإنسان الأوروبي إلا سنة 1789، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948.
مقاصد الشريعة
وتابع أن الشريعة الإسلامية تستند إلى منظومة مقاصدية تهدف لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي مقاصد تشكل معيارًا موضوعيًا لتقييم التشريعات الحديثة؛ فمن زاوية مقصد حفظ النفس، فإن تقليص الحبس الاحتياطي يتسق مع مبدأ «الأصل في الإنسان الحرية»، وأن العقوبة لا تكون إلا بعد ثبوت يقيني.
ويشير إلى أن مقصد حفظ النسل يتجلى في النص الصريح بتأجيل الإعدام على المرأة الحامل، وهو ما يتوافق تمامًا مع الفقه الإسلامي الذي يقدم مصلحة الجنين والرضيع على مصلحة الدولة في العقاب.
ومن حيث حفظ المال، يبرز تنظيم إجراءات المنع من السفر، والتحفظ المالي بشرط الأمر القضائي، وإمكان التعويض عند الضرر.
ويعقب أن كل ذلك يظهر أن القانون يحمل ملامح مقاصدية واضحة، وهو ما يتسق مع قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي يهدف إلى إقامة منظومة قضائية تحقق العدالة الناجزة وتوفر المحاكمة المنصفة، وهما هدفان يتطابقان مع جوهر المقصد الأسمى للشريعة وهو إقامة العدل.
إصلاحات شاملة
وتابع د. ذكري أن الواقع التطبيقي للقانون الجديد يتضح منه أنه صدر ليكون بديلاً لقانون الإجراءات الجنائية السابق رقم 150 لعام 1950، واضعًا منظومة إجرائية جديدة تستهدف تطوير العدالة الجنائية، وتسريع وتيرة الفصل في القضايا مع تعزيز ضمانات الدفاع.
كما تضمن القانون تقليص مدد الحبس الاحتياطي، والتوسع في بدائله مثل الإقامة بالمسكن، والتتبع الإلكتروني، ومنع السفر، إضافة إلى تأكيد حضور المحامي أثناء التحقيق، وإدخال درجة تقاضٍ ثانية في الجنايات الكبرى.
ويبين أن روح الرحمة في بنية القانون ليست قيمة أخلاقية مجردة في الشريعة، بل مقصدًا تشريعيًا أصيلًا؛ ومن أبرز صورها في الإسلام الرحمة في التشريعات والأحكام، لقوله تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (البقرة: 185).
والشريعة، في إطار مراعاتها لأحوال الناس، شرعت الرخص مثل: الفطر للمريض والمسافر، وقصر الصلاة، والمسح على الخفين.
واستطرد أن ملامح مراعاة أحوال المتقاضين والمحكوم عليهم قد ظهرت في القانون الجديد بوضوح في حماية المرأة الحامل، وتأجيل تنفيذ العقوبة ضمانًا لحق الطفل، وفي التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي لتقليل الأثر الاجتماعي والإنساني لتقييد الحرية.
مؤكدًا أن هذه الروح لا تكتمل إلا بضمانات تطبيقية تمنع تحول البدائل إلى قيود ممتدة أو استعمالها كعقوبات مقنّعة. كما أن الرحمة هنا ليست قوة ناعمة، بل أساس للعدالة.
حقوق المرأة
ويشير وكيل الشريعة والقانون إلى أن الشريعة قد منحت المرأة حقوقها المالية والشخصية كاملة، وجرّمت إيذاءها أو استغلالها، ومنحتها ذمة مالية كاملة في البيع والشراء والهبة والصداق.
أما الطفل، فوفرت له حماية تبدأ من حقه في الحياة قبل الولادة، ثم الرعاية والنفقة والولاية، وحرمت الاعتداء عليه، كما أجلت الأحكام الشرعية تنفيذ الحدود على الحامل والمرضع حماية للنسل، فجعلت إثبات النسب مصلحة عليا.
مبينًا أن الشريعة الغراء هنا سبقت كل القوانين الحديثة في حماية الهوية، بينما كانت أوروبا تعاقب الأطفال غير الشرعيين حتى القرن الماضي، ولم تعترف للمرأة المتزوجة بحقوق مالية مستقلة إلا في القرن التاسع عشر.
وهذه المبادئ التي تتفاخر بها الاتفاقيات الدولية اليوم ليست سوى صياغات حديثة لأحكام إسلامية راسخة.
وينوه بأن القانون الجديد اتسق مع هذا الإرث حين جعل تأجيل الإعدام لعامين بعد الولادة ضمانة لحق الرضيع في الحياة الطبيعية (مادة 444)، ويكمل القانون ذلك بحمايته كشاهد أو كمجني عليه، وإن ظلت الحاجة قائمة لمزيد من التنسيق التشريعي بين قانون الإجراءات وقانون الطفل لتحقيق حماية متكاملة.
حماية الخصوصية
وعن حماية الخصوصية وحرمة المسكن، يؤكد أن الشريعة الإسلامية جعلت حرمة المسكن أصلًا ثابتًا، وحرمت دخول البيوت بغير إذن، وجرّمت التجسس والتلصص، مبينًا أن حرمة المساكن في الشريعة تأسست على الآية القرآنية التي جعلت الاستئذان شرطًا لدخول البيوت؛ وذلك في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها...»
فسبقت بذلك كل نصوص القوانين الجنائية التي تحمي الحياة الخاصة وتمنع تفتيش المساكن إلا بقرار قضائي.
ويختتم بأن قانون الإجراءات الجنائية الجديد جاء ليجسد هذا الأصل من خلال قصر التفتيش على الأمر القضائي المسبب (مادة 47)، وإلزامية حضور صاحب الشأن أو شاهدين، وبطلان أي دليل يُجمع بالمخالفة (مادتان 47، 75).
وهكذا، يلتقي النص القانوني الحديث مع روح التشريع الإسلامي في صون الخصوصية ورفع الحرمة عن اقتحام البيوت دون مسوغ.
ويذكر أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد يحمل ملامح إصلاحية مهمة تتسق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والنسل والكرامة، غير أن فعاليته تتوقف على التطبيق العملي والرقابة القضائية الصارمة، مرجعًا السبب في ذلك إلى أن العدالة ليست نصوصًا جامدة، بل ممارسة يومية، والرحمة ليست شعارًا، بل قيمة قانونية يجب تجسيدها عبر التنفيذ الرشيد ومنع التعسف.
وأكد أن الجمع بين المقاصد الشرعية والضمانات القانونية الحديثة ليس مستحيلًا، بل هو الطريق الطبيعي لإقامة عدالة حقيقية تنصف المرأة والطفل والمتهم والمجتمع معًا.



