منذ أن أشرقت شمس الأزهر الشريف على أرض مصر وهو يفيض على الدنيا علماً ونوراً ويغسل القلوب بصفاء العلم والإيمان.
ألف عام والأزهر كالنخلة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ومن رحم هذا النور الأزلي ولدت «الحضانة النموذجية للأزهر الشريف» لتكون روضة من رياض الجنة على الأرض ومهداً تتفتح فيه براعم الطهر وتروى فيه جذور الإيمان منذ أول حرف ينطقه الطفل وأول بسمة تشرق على وجهه الصغير.
في هذه الحضانة لا يتعلم الطفل الحروف والأرقام كما يتعلمها الآخرون بل يتعلم معها لغة السماء فيحفظ آيات الله بقلبه قبل لسانه ويعيش معانيها قبل أن يرددها هنا تزرع البذور الأولى للمحبة والصدق والأمانة وتسقى بماء القرآن والسنة فتخرج شتلة من النور تنمو على منهج النبي الكريم وصحابته الأطهار وتسير على درب أئمة الهدى والعلم.
تخطو الأقدام الصغيرة في ساحتها الطاهرة كأنها تسير في رحاب مسجد عتيق تتعانق فيها البراءة مع الهيبة والطفولة مع الحكمة تتعالى أصوات الصغار بتلاوة خاشعة لآية قصيرة من كتاب الله فتغدو الحروف أنغاماً من السماء تشق طريقها إلى القلوب قبل أن تصعد إلى الأعالي.
والمربيات هناك لسن معلمات فحسب بل أمهات رقيقات يحملن في قلوبهن رحمة وعلماً ونوراً من نور الأزهر كل نظرة منهن درس وكل ابتسامة تربية وكل كلمة تهذيب وسكينة يعلمن الأطفال أن الإيمان ليس قولا بل حياة وأن حب الله يترجم إلى عمل وأن حب الوطن عبادة حين يبنى بالصدق والإخلاص.
لقد أدرك الأزهر أن الغد لا يصنع في الجامعات بل في أحضان الطفولة وأن بناء الإنسان يبدأ حين تغرس في قلبه بذرة الإيمان الأولى ومن هنا كانت الحضانة النموذجية مشروعا حضارياً ورسالة تربوية تهدف إلى صياغة جيل يعرف الله حق المعرفة ويعرف طريقه إلى الخير جيل إذا كبر كان للعلم راية وللوطن حصناً وللإنسانية نوراً.
في زمن تتكاثر فيه الغوايات وتتنازع العقول أفكار الغلو والتفريط تأتي هذه الحضانة كفجر جديد يبدد ظلمة الجهل ويغرس في الصغار فهما نقيا للدين يوازن بين الروح والعقل وبين العقيدة والعلم وبين الدين والحياة.
إنها ليست فصلاً دراسياً بل فصلاً من فصول الإيمان يكتب على جدرانه أن العلم نور والنور لا يشرق إلا في قلب مؤمن ومن بين جدرانها يخرج الأطفال كأنهم أزهار من نور يحملون في وجوههم بشائر الغد وفي قلوبهم لواء الأزهر الشريف الذي ما انحنى يوما إلا لله ولا رفع رايته إلا للحق.
هكذا تظل الحضانة النموذجية للأزهر الشريف روضة من رياض الجنة على الأرض فيها تغرس البذور الطيبة وتسقى بماء الإيمان وتثمر أجيالا تعرف طريقها إلى الله وتنير للأمة دروبها كما أنار الأزهر دروب التاريخ منذ فجره الأول.



