أخر الأخبار

الغرب وصناعة القادة من رماد الإرهاب

السيد الحرانى
السيد الحرانى

من يتأمل مسار الأحداث في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة لابد أن يتوقف أمام ظاهرة لافتة تكررت بأشكال مختلفة وهي صناعة الغرب لشخصيات متطرفة وتقديمها بداية كـإرهابيين خطيرين يجب استئصالهم ثم إعادة تدويرهم في مرحلة لاحقة باعتبارهم رجال دولة أو حكاماً مقبولين.

هذه المفارقة لم تعد مجرد تكتيك عابر بل باتت جزءاً من استراتيجية راسخة لإدارة الصراعات في المنطقة وإعادة هندسة المشهد السياسي بما يخدم المصالح الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية.

في هذا السياق يبرز «أحمد الشرع» حاكم سوريا للفترة الانتقالية الحالية المعروف باسم «أبي محمد الجولاني» كنموذج صارخ لهذه الصناعة فمنذ سنوات قليلة فقط كان الرجل على رأس قوائم الإرهاب الأمريكية حيث خصصت واشنطن مكافأة ضخمة وصلت إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقاله أو قتله. 

وجرى تصويره باعتباره أحد أخطر قادة التنظيمات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة وزعيماً لجبهة النصرة التي مارست العنف بأبشع صوره في سوريا لكن ما إن استقرت المعادلة الميدانية وأصبح الصراع السوري بحاجة إلى إدارة جديدة حتى بدأت عملية إعادة تسويقه بطريقة تكاد تكون مسرحية مكشوفة وفجأة اختفى «الجولاني» بزيه العسكري وأسلوبه الصارم ليعود إلى الشاشة ببدلة مدنية وربطة عنق أوروبية يتحدث عن المرحلة الانتقالية وعن مستقبل سوريا بل ويطرح في الإعلام الغربي باعتباره خياراً واقعياً لحكم البلاد أو على الأقل جزءاً أساسياً من معادلة الحل السياسي ويثني عليه «دونالد ترامب» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بأنه «شاب جيد جداً ولديه مستقبل واعد» ويقابله باستحثان الرئيس الفرنسي «ماكرون» وتصوره آلة الإعلام الغربي وهو يكتب خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنفسه كأننا أمام مانديلا جديد ملهم للأجيال غارق يشرع ويسطر إبداعه الفكري دون الحاجه لمن يوجهه أو يملي عليه ولكن نفس الآلة الإعلامية لن تستطيع أن تمحي ما سبق وسوقوه لصورة ملاحقة المجرم الإرهابي نظير مكافأة بالملايين من الذاكرة البشرية أو الالكترونيه للمواقع ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذا التحول لم يكن ليحدث دون غطاء مباشر من بعض العواصم الغربية وفي مقدمتها «واشنطن» وإدارتها الاستخباراتية إبان إدارة الرئيس دونالد ترامب فالإدارة الأمريكية لم تجد حرجاً في التعامل مع شخصية كانت قبل فترة قصيرة مطاردة ومطلوبة للعدالة الدولية بل رأت في الرجل الذي ظل سنوات عمره كله موصوم بالإرهاب أداة يمكن توظيفها لتحقيق أهدافها في سوريا المستقبل ومع الوقت التحق بالركب العديد من العواصم الأوروبية التي بدأت تتعامل مع الجولاني باعتباره «حاكماً أمراً واقعاً» لإدلب وأريافها تغض الطرف عن جرائمه وانتهاكاته وتتعامل معه كطرف سياسي له وزن في أي تسوية قادمة.

لكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً سنجد أن قصة «الجولاني» ليست استثناء بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تجارب مماثلة ففي أفغانستان على سبيل المثال دعمت الولايات المتحدة المجاهدين الأفغان في الثمانينيات لمواجهة الاتحاد السوفيتي وقدمت لهم المال والسلاح والإسناد السياسي والإعلامي وحثت كل دول الأحلاف السياسي على دعمهم بكل الطرق الممكنة والغير ممكنة لكن هؤلاء «المجاهدين» سرعان ما تحولوا لاحقاً إلى تنظيمات متطرفة مثل «طالبان» و«القاعدة» ليصبحوا «العدو الأول» بعد انتهاء الحاجة إليهم ورغم الحروب المدمرة التي خاضتها واشنطن ضدهم عادت في النهاية وجلست على طاولة المفاوضات مع «طالبان» ومنحتها الشرعية لتعود إلى الحكم في «كابول» وكأن عشرين عاماً من الحرب وآلاف من الضحايا لم تكن إلا جولة في لعبة «تدوير الإرهاب».

المشهد تكرر أيضاً في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 حين فتحت السجون مثل «أبو غريب» الطريق أمام بروز قادة «داعش» وعلى رأسهم «أبو بكر البغدادي» فالسجون التي يفترض أنها أماكن عزل ومحاكمة تحولت إلى مدارس لتخريج المتطرفين ثم خرج هؤلاء ليؤسسوا أخطر تنظيم إرهابي عرفته المنطقة فالمدهش أن هذا التنظيم رغم دمويته استخدمته بعض القوى الإقليمية والدولية كفزاعة لتبرير التدخلات وإعادة رسم الخرائط في «العراق» و«سوريا» على السواء.

إذاً نحن أمام نمط متكرر بداية من صنع العدو مروراً باستخدامه لإشعال الحروب ثم إعادة توزيع النفوذ وتدويره كطرف سياسي أو عسكري في التسويات.

وما يجري مع «الجولاني» اليوم ليس إلا نسخة سورية من هذه التجارب فالرجل تحول من إرهابي مطارد إلى سياسي يجلس أمام الكاميرات في سوريا والمحافل الدولية ليتحدث عن «مشروع وطني» وسط صمت مريب من العواصم الغربية التي تعلم جيداً تاريخه الدموي وتعلم أيضاً حاصرة ومستقبله الاستبدادي.

المفارقة الكبرى تكمن في ازدواجية المعايير الغربية فحين يتعلق الأمر بشخصيات أو حركات لا تخدم المصالح الأمريكية والأوروبية يجري شيطنتها فوراً وتوضع على قوائم الإرهاب بلا تردد أما حين تتحول هذه الشخصيات إلى أوراق مفيدة يمكن اللعب بها على طاولة المفاوضات فإنها تغسل من تاريخها وتقدَّم بوجه جديد وهنا يتضح أن معيار الغرب ليس مكافحة الإرهاب كما يزعم بل توظيف الإرهاب متى وكيفما اقتضت المصالح.

إن كل ما سبق لا يترك مجالاً للشك في أن الغرب لا يحارب الإرهاب بقدر ما يصنعه ويوظفه ثم يعيد تدويره وفق مصالحه لأن المعادلة التي نشهدها منذ عقود باتت واضحة فحين تحتاج «واشنطن» وحلفاؤها إلى تفجير صراع أو إضعاف نظام تفتح الأبواب أمام التنظيمات المتطرفة لتتضخم وتتمدد وحين تنتهي الحاجة يعاد ترتيب المشهد وتلميع بعض الوجوه لتُقدم كقادة شرعيين وهكذا تتحول حياة ملايين البشر إلى أوراق في لعبة كبرى لا مكان فيها للقيم ولا للإنسان.

إن ما حدث مع المجاهدين في أفغانستان بالأمس وما جرى مع داعش في العراق وما يجري مع الجولاني في سوريا اليوم ليس سوى تجسيد متكرر لنفس الاستراتيجية من إشعال الحرائق ثم الادعاء بإطفائها وصناعة الفوضى ثم تسويقها على أنها حلول سياسية فالغرب هنا لا يخطئ ولا يتردد بل ينفذ خطة مدروسة تقوم على تحويل المنطقة إلى ساحة نزاعات مفتوحة تستنزف فيها الطاقات وتهدر فيها الثروات والأرواح ويعاد تشكيل الجغرافيا بما يضمن أمن «إســرائيل» وبقاء الهيمنة الغربية.

إنها سياسة لا ترى في شعوب المنطقة إلا أدوات أو ضحايا فالإرهابي بالنسبة لهم ليس عدواً مطلقاً بل أداة مؤقتة يمكن استغلالها ثم التخلص منها أو إعادة تلميعها عند الحاجة وفي هذه اللعبة القذرة تداس حقوق الشعوب ويختطف مستقبلها وتعاد صياغة خرائطها بأقلام غربية لا تعبأ بدماء الأبرياء ولا بآلامهم 

ومن هنا تعلم مصر وإدارتها وقيادتها السياسية ما يدار من حولها وما يجب أن تقدمه في صالح المنطقة العربية والشأن المصري العام بما يتوافق مع ماضيها العريق وحاضرها القوي ومستقبلها المشرق لذلك لم يكن مستغرب تجاهل «أحمد الشرع» ذكر اسم مصر بين من اختصهم بالشكر لدعم الشعب السوري في أزمته الأخيرة خلال إلقاء خطابه بالأمم المتحدة ومعه كل الحق فمصر لم ولن تكون أبدًا شريكًا في صناعة الإرهاب أو تشارك في الإشراف على تحويل إرهابي إلى رئيس دولة أو تساهم في تلميع وغسل سمعة تنظيم متطرف.

لذلك فإن إدراك هذه الحقيقة واجب على كل من يسعى إلى مستقبل مختلف للمنطقة فلا يمكن الرهان على الغرب كحليف أو ضامن لحلول عادلة لأنه هو ذاته صانع المأساة بل إن الخلاص لا يكون إلا ببناء مشروع مستقل يقوم على وعي الشعوب وإرادتها الحرة بعيداً عن ألاعيب الاستخبارات وأجندات القوى الكبرى وإلا فإننا سنبقى ندور في الحلقة نفسها «إرهابي يصنع، دماء تسفك، ثم رجل دولة يفرض علينا باسم الواقعية السياسية» إنها المسرحية ذاتها تتغير الوجوه لكن السيناريو لا يتغير.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا