منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية حكم مصر عام 2014 اتسمت سياساته الداخلية والإقليمية والعالمية بعقلانية واضحة جعلت منه أحد أبرز القادة في منطقة الشرق الأوسط قدرة على إدارة الأزمات المعقدة والمتشابكة.
فقد اختار الرئيس منذ اللحظة الأولى أن يعتمد على مبدأ التوازن والواقعية في التعامل مع الملفات الحساسة التي تهدد أمن مصر والمنطقة فبدلاً من الانجرار وراء ردود الأفعال الانفعالية كان يفضل دائما دراسة المواقف بدقة واتخاذ قرارات تحفظ استقرار الدولة وتمنع انزلاقها إلى فوضى جديدة كما حدث في دول عديدة عقب ما سمي بثورات الربيع العربي.
وتعكس موتقف الرئيس السيسي امتداداً طبيعيا لروح القيادة الوطنية التي خاضت معارك البناء والتحرير فالرئيس السيسي يمثل امتداداً لعقلية الدولة المصرية الراسخة التي أسس لها الرؤساء السابقون بدءا من الرئيس جمال عبد الناصر الذي رفع راية الاستقلال الوطني ومروراً بالرئيس محمد أنور السادات بطل الحرب والسلام ووصولاً إلى الرئيس محمد حسني مبارك الذي حافظ على استقرار البلاد بعد الحرب.. فمواقف السيسي في إدارة الأزمات الداخلية والإقليمية والعالمية تؤكد أنه يسير على خطى من سبقوه في حماية الدولة والحفاظ على مكتسبات النصر وتأكيد مكانة مصر كقوة إقليمية قادرة على فرض إرادتها بالسلام والحكمة لا بالحروب والانفعالات.
لقد جاءت تجربة الرئيس السيسي في الحكم محملة بتحديات غير مسبوقة على المستويات كافة فقد واجهت مصر خلال سنوات حكمه أزمات عالمية متلاحقة كان من شأنها أن تهز اقتصاد أي دولة نامية.. ففي الوقت الذي بدأت فيه الدولة المصرية تنفيذ خطة شاملة للإصلاح الاقتصادي جاء وباء كورونا ليصيب العالم بالشلل ويوقف حركة التجارة والسياحة ويضغط على اقتصادات الدول الكبرى قبل النامية ومع ذلك استطاع السيسي بعقلانية المنتصر أن يواجه الأزمة بقرارات متوازنة تضمن حماية المواطنين صحياً وتخفيف آثار الجائحة اقتصاديا فحافظ على استمرار عجلة الإنتاج ودعم الفئات الأكثر تضرراً دون أن تنهار منظومة الدولة ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتشعل أسعار الطاقة والغذاء عالميا تلتها الحرب الإسرائيلية مع تنظيم حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية لتزيد من اضطراب الإقليم ومع ذلك ظل السيسي صامداً يقود دولته بثبات وسط كل هذه العواصف العالمية واضعا نصب عينيه هدفاً واحداً هو الحفاظ على استقرار مصر ومواصلة النهوض بشعبها.
فعلى الصعيد الداخلي واجه الرئيس السيسي منذ البداية تحديات جسيمة تمثلت في الإرهاب والانقسام السياسي وانهيار مؤسسات الدولة.. فتعامل مع هذه الملفات بصرامة أمنية مدعومة برؤية تنموية متكاملة اعتمدت على بناء مؤسسات قوية واستعادة هيبة الدولة ونجح في إعادة الأمن والاستقرار إلى الشارع المصري عبر عملية شاملة لمكافحة الإرهاب في سيناء وفي الوقت نفسه أطلق مشاريع قومية عملاقة مثل «قناة السويس الجديدة» و«العاصمة الإدارية» و«شبكة الطرق القومية» من أجل خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد فكان بذلك يجمع بين الحسم الأمني والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في وقت واحد.
أما على الصعيد الإقليمي فقد برزت عقلانية الرئيس السيسي في موقفه من الأزمة الليبية حيث رفض التدخل العسكري المباشر مفضلاً دعم الحل السياسي عبر حوار «ليبي ليبي» برعاية الأمم المتحدة وطرحه لمبادرة القاهرة التي أصبحت لاحقاً مرجعية أساسية في التسوية السياسية كما تعامل بحكمة مع الملف السوداني محاولاً تحقيق التوازن بين دعم استقرار السودان ومنع انزلاقه إلى حرب شاملة قد تهدد الأمن القومي المصري ولم يتورط في أي صراعات جانبية رغم ضغوط قوى إقليمية ودولية.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أثبت الرئيس السيسي أنه أحد أكثر القادة العرب حرصاً على التهدئة وحماية الأرواح سواء خلال الحروب الإسرائيلية على غزة أو أثناء محاولات التهجير فقد لعبت مصر ومازالت دوراً محورياً في وقف إطلاق النار أكثر من مرة وفتحت معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية مؤكدة أن أمن فلسطين جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.. وكان موقفه الأخير في عام 2024 خلال العدوان الإسرائيلي على غزة دليلاً جديداً على ثباته في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بالوسائل الدبلوماسية والعقلانية بعيداً عن المزايدات السياسية.
وتجلت عقلانية السيسي أيضا في تعامله المتوازن مع كل من تنظيم حماس وإسرائيل إذ أدرك منذ البداية حساسية هذا الملف وارتباطه المباشر بأمن مصر القومي فتعامل مع حماس باعتبارها واقعاً سياسياً في قطاع غزة لا يمكن تجاهله وفي الوقت نفسه ألزمها بعدم تجاوز الخطوط التي تمس الأمن المصري في سيناء أو الحدود فاستطاع من خلال سياسة الحزم الهادئ أن يفرض قواعد جديدة للعلاقة تقوم على المصالح المتبادلة والأمن المشترك كما حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الجانب الإسرائيلي لضمان التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار ومنع التصعيد دون أن يسمح لأي طرف بفرض شروط على الموقف المصري وبذلك نجح في تثبيت معادلة دقيقة جعلت من القاهرة وسيطاً موثوقاً يحظى بثقة جميع الأطراف.
كما اتسمت رؤية الرئيس السيسي في السياسة الخارجية بعقلانية استراتيجية تقوم على تنويع الخيارات وتعدد مسارات القوة فعمل على تنويع وتعدد مصادر السلاح لتجنب التبعية لأي طرف خارجي وفتح آفاقا واسعة للتعاون العسكري مع «روسيا والصين وفرنسا.. إلخ» وأبرم اتفاقيات استراتيجية لتطوير القدرات الدفاعية المصرية بما يحقق استقلالية القرار الوطني.. وفي الوقت نفسه حرص على الحفاظ على الإرث التاريخي للعلاقات المصرية الأمريكية باعتبارها ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي فحافظ على علاقات متوازنة مع واشنطن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة دون إخلال بثوابت السياسة المصرية أو التفريط في القرار المستقل.
وتجلت العقلانية ذاتها في تعامل الرئيس السيسي مع استفزازات إثيوبيا المستمرة فيما يتعلق بقرارها المنفرد في بناء «سد النهضة» وإصرارها على استكمال الملء والتشغيل دون اتفاق قانوني ملزم إذ رفض الانجرار وراء الدعوات التي كانت تدفع مصر نحو خيار الحرب أو التصعيد العسكري وأصر على أن تبقى القضية في إطارها الدبلوماسي والقانوني الدولي مؤكداً أن مصر دولة مسؤولة تعرف قيمة السلام.. لكنها أيضا تعرف كيف تحمي حقوقها المائية بكل الوسائل المشروعة وتعامل بحكمة مع التصريحات الإثيوبية المتكررة حول بناء مزيد من السدود فاختار الرد بالثبات والاتزان لا بالانفعال وأدار الملف بعقلانية أمنت مصالح مصر المائية دون الدخول في مواجهات كان يمكن أن تجر المنطقة إلى صراع إقليمي واسع.
أما على المستوى العالمي فقد انتهج السيسي سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لأي محور دولي فحافظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي وشارك بفاعلية في المحافل الدولية للتأكيد على حق الدول النامية في التنمية المستقلة ومواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية كما أظهر حنكة كبيرة في التعامل مع تداعيات جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية بما يضمن استقرار السوق المصري وتوفير السلع الاستراتيجية رغم الاضطرابات الدولية.
لقد أثبتت التجربة منذ 2014 حتى 2025 أن عقلانية الرئيس السيسي ليست مجرد نهج سياسي بل فقه وفلسفة حكم متكاملة تقوم على إدراك عميق لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة وعلى قناعة بأن الأمن لا يتحقق إلا بالتنمية وأن الاستقرار لا يترسخ إلا بالحكمة والتوازن وأن القيادة لا تقاس بالشعارات وإنما بالقدرة على حماية مصالح الشعوب وسط عالم مضطرب ومتغير وهي بذلك امتداد حقيقي لروح أكتوبر التي علمت المصريين أن النصر لا يكون فقط في ميادين القتال بل أيضا في القدرة على حماية الوطن بالعقل والرؤية والإصرار.



