مصطفى مدبولى: الحرف اليدوية تجسيد لقيمنا وتاريخنا وهويتنا
سهير الباشا: انشاء مجلس قومى للحرف لتحقيق الشمول المالى
على رشيد: نستهدف رفع الصادرات إلى 600 مليون دولار عام 2030
علياء رافع: تمكين للمرأة خاصة فى المجتمعات الريفية والمهمشة
وسام العلكى: ليست فقط تراثا ثقافيا بل مصدر رزق لآلاف الأسر
تحقيق: رانيا كرم الدين
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشابه فيه المنتجات، تظل الحرف اليدوية المصرية علامة فارقة على الهوية وروح الحضارة. فهي ليست مجرد صناعات تقليدية، بل تجسيد حي لذاكرة شعب ومرآة ثقافية تعبر عن الإبداع الشعبي المتجذر منذ آلاف السنين. حيث أن كل قطعة تصنع بالأيادي تحكي حكاية أجداد، وتحمل في تفاصيلها مهارات اكتسبتها الأجيال وتناقلتها عبر الزمن
وتعد مصر من أكثر الدول ثراء بالحرف اليدوية، التي تتنوع ما بين الخيامية، والتطريز، والنحاس، والفخار، والسجاد، والنحت، والأرابيسك، وغيرها. ويعمل في هذا القطاع نحو خمسة ملايين مواطن، أغلبهم من القرى والمجتمعات الريفية والمهمشة، ممن يمتلكون خبرات ومهارات أصيلة بحاجة إلى من يقدرها ويدعمها، أما عن أعداد من يمتهنون هذه الحرف، فإن الأعداد الأولية تشير إلى نحو ٥ ملايين شخص، وهم في أمس الحاجة إلى توفيق أوضاعهم، واستثمار خبراتهم وفنونهم التي اكتسبوها لصالحهم ولصالح البلد
افتتاح معرض تراثنا
وفي خطوة لإحياء هذا التراث وتحويله إلى مصدر اقتصادي مستدام، أعلن د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال افتتاح معرض «تراثنا 2025»، أن الحرف اليدوية ليست فقط منتجات تُصنع بالأيدي، بل هي تجسيد لقيمنا وتاريخنا وهويتنا. كما أعلن عن إطلاق «الاستراتيجية القومية للحرف اليدوية 2025–2030»، التي أعدها جهاز تنمية المشروعات بالتعاون مع عدد من الوزارات، منها التضامن الاجتماعي، والثقافة، والصناعة، والتنمية المحلية، وبمشاركة عدد من الخبراء والمختصين، بهدف تطوير هذا القطاع المهم وتعزيز قدراته التنافسية محليًا وعالميًا. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى الاستجابة لمتغيرات السوق العالمية، ومتطلبات سلاسل الإمداد الحديثة، إلى جانب الالتزامات البيئية والاجتماعية، من خلال خطط واضحة، وأدوار محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، لتحقيق رؤية متكاملة تجعل من الحرف اليدوية قطاعا اقتصاديا مستداما وقادرا على المنافسة
الهرم الذهبى
وتضيف سهير الباشا، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الحرف اليدوية باتحاد الصناعات، إن ما حدث خلال افتتاح معرض «تراثنا» كان حلما وأصبح واقعا ملموسا. إذ انه للمرة الأولى يتم وضع استراتيجية وطنية موحدة للنهوض بهذا القطاع، بعد سنوات من تشتت الجهود. وأضافت أن هناك الآن توجها واضحا نحو حصر دقيق للعاملين في هذا المجال، تمهيدا لوضع برامج تدريب وتأهيل تقوم على ما أُطلق عليه «الهرم الذهبي»، الذي يجمع بين الحرفي المنتج، والمصمم المطور، والمسوّق الذي يتولى عرض المنتج وترويجه محليا وعالميا
وأشارت الباشا إلى أن من ضمن الخطط المطروحة أيضا إنشاء مجلس قومي للحرف اليدوية، مهمته توحيد الرؤية، وتنسيق الجهود، وتنظيم آليات الدعم، وصولًا إلى شمول مالي عادل يمنع احتكار المساعدات من قبل فئات دون غيرها، ويوجه الموارد إلى مستحقيها الفعليين. وأضافت أن هذا المجلس سيكون أيضا مسؤولا عن تنظيم القطاع، ومواجهة أبرز التحديات التي تواجه العاملين فيه، وعلى رأسها التسويق، وضعف التدريب، وعدم اندماج الحرفيين في الاقتصاد الرسمي
مظلة وطنية
ومن جانبه، أكد علي رشيد، عضو غرفة صناعة الحرف اليدوية، أن إنشاء مظلة وطنية شاملة تضم كل ما يتعلق بالحرف اليدوية هو مفتاح نهضة حقيقية لهذا القطاع، الذي طالما كان مشتتًا بين أكثر من جهة. وأوضح أن الاستراتيجية تستهدف رفع صادرات الحرف اليدوية إلى 600 مليون دولار بحلول عام 2030، وزيادة حصة المنتجات المصرية في السوق المحلي إلى 70%، بالإضافة إلى توفير أكثر من 120 ألف فرصة عمل جديدة، وتنمية 15 تكتلًا حرفيًا في أنحاء الجمهورية. وأشار إلى أن لجنة تسيير مؤقتة برئاسة وزيرة التضامن الاجتماعي قد بدأت بالفعل العمل على تنفيذ خطة العمل، في انتظار تشكيل المجلس القومي للحرف اليدوية بشكل دائم، ولا يخفى على أحد أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الحرفيين هو استغلال بعض التجار لحاجتهم، حيث يشترون منتجاتهم اليدوية بأسعار زهيدة ويبيعونها بأرباح ضخمة، مستغلين ضعف قدرات الحرفيين على التسويق.
وتؤكد د. علياء رافع، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، أن هذا الوضع يتطلب تدخلا عاجلا لحماية هؤلاء الفنانين الحقيقيين من الاستغلال، وتمكينهم من عرض وتسويق منتجاتهم بطريقة عادلة تحفظ كرامتهم وتُقدّر جهدهم. وأضافت أن الحرف اليدوية ليست فقط مصدر دخل، بل وسيلة حقيقية لتمكين المرأة، خاصة في المجتمعات الريفية والمهمشة، حيث تسهم في تعزيز مكانتها ودورها الاقتصادي
وترى رافع أن الاستثمار في الحرف اليدوية هو استثمار في ثلاثة محاور متداخلة: الهوية، والاقتصاد، والاستدامة. فالحرفة ترتبط بالموروث الثقافي، وتُسهم في الاقتصاد المحلي، وتقوم على مبادئ الاستدامة من خلال استخدام المواد الطبيعية والمحلية، بل وإعادة التدوير في بعض الأحيان. وتضيف أن تمكين الحرفيين لا يقتصر على دعم إنتاجهم، بل يشمل أيضا تدريبهم على معايير الجودة العالمية، وتسويق منتجاتهم بطريقة حديثة، وتوثيق هذه الحرف علميا وفنيا، لضمان استمراريتها للأجيال القادمة.
الذوق المعاصر
وترى سلوى عثمان، أستاذ التراث بالمعهد العالي للفنون الشعبية، إن الحرف اليدوية تمثل إحدى الركائز الأساسية للهوية الثقافية المصرية، وتحمل في طياتها روح الإبداع الشعبي والارتباط بالبيئة والمكان. فكل قطعة فنية تحمل قصة، وتعكس ذوق الحرفى، وارتباطه بمجتمعه، وتعد وسيلة فعالة لنقل القيم والتقاليد والطقوس. وترى أن هذا التنوع الهائل فى الحرف المصرية يجب أن يتم ربطه بالذوق المعاصر من دون فقدان الأصالة، ما يمنح الحرف المصرية قدرة تنافسية عالمية.
وتؤكد د. وسام العلكي، مدرس مساعد الأنثروبولوجيا بجامعة عين شمس، أن الحرف اليدوية هي نتاج فني وإنساني مميز، يعتمد على المهارة الشخصية والأدوات البسيطة، ويعكس ذوق الحرفي وخبرته، ما يجعل كل قطعة فريدة من نوعها لا تتكرر. وأضافت أن هذه الحرف ليست فقط تراثًا ثقافيًا، بل مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر المصرية، وتسهم في التنمية الاقتصادية من خلال توفير فرص عمل وتحقيق الاكتفاء المحلي وفتح آفاق التصدير.
وفى النهاية نجد أن عام الحرف اليدوية 2025 ليس مجرد مناسبة رمزية، بل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار لهذا القطاع الغني، وربطه باستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإذا ما تم تنفيذ هذه الاستراتيجية بجدية، وتوفير الحماية القانونية والمالية والتسويقية للحرفيين، فإن مصر قادرة على استعادة مكانتها العالمية في تصدير المنتجات اليدوية، والحفاظ على تراثها الثقافي العريق حيا ونابضا في كل بيت داخل مصر وخارجها.



