د. محمد حمزة:فن غني ومتنوع استمد تطوره من مراحل مختلفة
د. فاتن الشيخ:الفتوحات الإسلامية ساهمت في نهضته وجعلته أكثر تنوعا وثراء
د. أحمد الشربيني:جسر يربط بين الثقافات والشعوب على مر الزمان
د. شيماء يوسف:العمارة الإسلامية في مصر الأكثر تميزا في العالم
تحقيق- عامر نفادي
كان للفن الإسلامي منذ ظهوره السبق دائما، في رفع شعار الفن في خدمة الحياة، وهو فن تطبيقي يشترك في كل جوانب الحياة فيزين المنازل بعمارة إسلامية رائعة، ويزخرف الأواني والأثاث وكل ما يستخدمه الإنسان في مختلف أوجه الحياة.
وتتميز الفنون الإسلامية، في أي قطر من أقطار العالم الإسلامي، بطابعها الفريد ووحدتها العامة، وكان هذا السر من أسرار تفوق الحضارة الإسلامية وقدرتها الفائقة على صبغ المنتجات الفنية في جميع الأقطار بصبغة واحدة، إلا أن هذه الوحدة لم تمنع من وجود طرز إسلامي مختلف في عصور تطورها الفنى.
في التحقيق التالي نسلط الضوء علي الفن الإسلامي ومراحل تطوره، ودوره المهم في ربط الشعوب الإسلامية ببعضها.
يقول د. محمد حمزة، عميد كلية الآثار الأسبق بجامعة القاهرة، إن الفن الإسلامي ليس فنا مرتبطا بدين أو زمان أو مكان أو مادة واحدة، بل يمتد تاريخه إلى نحو ١٤٠٠ عام، ويشمل مجموعة من المجالات الفنية المختلفة، منها العمارة، والخط، والرسم، والزجاج، والسيراميك، والمنسوجات، وغيرها.
ويوضح د. حمزة، أن الفن الإسلامي مر بمراحل تطور مختلفة، استنبطها من مصادر عديدة مثل الفن الروماني، والمسيحي المبكر، والأساليب البيزنطية، والفن الساساني في بلاد فارس قبل الإسلام، إضافة إلي أساليب آسيا الوسطى التي جلبتها الغزوات البدوية المختلفة، فضلا عن ظهور التأثيرات الصينية على الرسم الإسلامي، والفخار، والمنسوجات.
ويضيف عميد الآثار الأسبق، أن الفن الإسلامي يشمل الفنون البصرية التي أبدعها المسلمون وغير المسلمين، منذ القرن السابع الميلادي فصاعدا، ممن عاشوا في المناطق التي سكنتها أو حكمتها شعوب إسلامية، مبينا أنه يصعب تعريف الفن الإسلامي لأنه يمتد لنحو 1400 عام، ويغطي العديد من الأراضي والشعوب، فضلا عن كونه لا يرتبط بدين أو زمان أو مكان أو وسيلة فنية واحدة، بل يشمل مجموعة واسعة من المجالات الفنية، بما في ذلك العمارة، والخط، والرسم، والزجاج، والسيراميك، والمنسوجات، وغيرها.
أنماط مختلفة
ويشير د. حمزة أن الفن الإسلامي لا يقتصر على الفن الديني، بل يشمل جميع فنون ثقافات المجتمعات الإسلامية الغنية والمتنوعة، وكثيرا ما يتضمن عناصر دنيوية، وأخرى يحرمها بعض علماء الدين الإسلامي، لأن التمثيلات التصويرية تعتبر محرمة في الإسلام، لافتا إلي أن الفن الإسلامي تأثر بالأساليب الفنية اليونانية والرومانية والمسيحية المبكرة والبيزنطية، إضافة إلى الفن الساساني في بلاد فارس قبل الإسلام، حيث دخلت أنماط آسيا الوسطى مع غزوات بدوية مختلفة، وكان للتأثيرات الصينية أثر تشكيلي على الرسم والفخار والمنسوجات الإسلامية.
وتابع د. حمزة، أن هناك عناصر متكررة في الفن الإسلامي، مثل استخدام التصاميم الهندسية الزهرية، أو النباتية المنمقة في تكرار يعرف باسم الأرابيسك، فضلا عن تركيز الفن الإسلامي على تصوير الأنماط والخط العربي، بدلا من تصوير الأشكال البشرية أو الحيوانية، بسبب تحريم القرآن الكريم لذلك.
وتابع د. حمزة أن العمارة الإسلامية تشمل مجموعة واسعة من الأساليب والمثال الرئيسي هو المسجد، حيث نشأ أسلوب معماري إسلامي مميز، لقدسية المسجد بإعتباره مكانا للصلاة، واجتماع المسلمين.
فن مميز
من جانبها تقول د. فاتن الشيخ، أستاذ التاريخ، والحضارة الإسلامية، إن بدايات الفن الإسلامي تركزت في فنون الكتابة، والخط، خاصة مع كتابة القرآن الكريم، ثم انتقل إلى فن العمارة، وبدأ المسلمون ببناء المساجد التي تمثل مكان العبادة والروحانية، فكانت البداية الحقيقية لنشأة فن مميز.
وتشير، أستاذ الحضارة الإسلامية، إلي أنه مع توسع الفتوحات الإسلامية تطور الفن ليشمل الزخرفة والفسيفساء والخزف والمنسوجات، مبينة أن هذه المرحلة التكوينية كانت تأسيسا لما أصبح لاحقا من أبرز أنواع الفن الإسلامي والذي استمر في النمو والتنوع على مدى قرون.
وتضيف أن الشواهد الأثرية الأولى تظهر أن الفن الإسلامي لم يكن مجرد تكرار لفنون الأمم السابقة، بل كان إعادة تشكيل واعية ضمن روح إسلامية نقية، وبهذا فإن لحظة نشأة الفن الإسلامي تعد لحظة فارقة في تاريخ الفن الإسلامي كونها البداية لتحول ثقافي وفني شامل.
تجسيد روحي
وتؤكد د. الشيخ، أن هذا الفن يهدف إلى تحقيق الإتقان والجمال كقيمة إيمانية وقد تجلى ذلك في المساجد والقصور والأسواق، فكل عمل فني في الحضارة الإسلامية يحمل رسالة ضمنية عن التوحيد والانضباط والتناغم، مشيرة إلي أنه من خلال هذا التعريف يمكن فهم الدور العميق الذي لعبه تاريخ الفن الإسلامي، في ربط الجمال بالعقيدة وتحقيق التوازن بين التعبير الجمالي والانضباط الشرعي فهو فن يعكس رؤية مغايرة للجمال ومتجذرة في العقيدة الإسلامية.
وعن مراحل تطور فن العمارة الإسلامية عبر العصور، توضح د. فاتن الشيخ، أن العمارة الإسلامية كانت أحد أبرز وجوه تاريخ الفن الإسلامي، وقد مرت بعدة مراحل تعكس التغيرات السياسية والثقافية والدينية في العالم الإسلامي فبدأت أولى معالمها في عهد الخلفاء الراشدين ببناء مسجد النبي محمد صلي الله عليه وسلم وهو نموذج بسيط يجمع بين الوظيفية والروحانية، ومع دخول العصر الأموي بدأت العمارة تزداد تعقيد ا وفخامة كما في قبة الصخرة في القدس ومسجد الأمويين بدمشق لأنها أظهرت التأثيرات البيزنطية، ففي العصر العباسي تطورت القباب والمآذن وظهرت أنماط جديدة كالمدارس والمستشفيات والتي كانت تبنى بذوق فني بديع، مضيفة أنه خلال العصور الإسلامية اللاحقة وخصوصا العثمانية والمملوكية شهدت العمارة ازدهارا مذهلا وظهرت القباب المزينة والأبواب المنحوتة والزخارف الخزفية التي تعكس الإبداع الإسلامي وقد لعب كل عصر دور في إثراء تاريخ الفن الإسلامي من خلال تطوير العمارة.
فخامة العمارة
وتابعت أن تاريخ الفن الإسلامي مر بعدة عصور لكل منها بصمته المميزة التي أثرت في ملامح الفن، فتبدأ من العصر النبوي والراشدي الذي اتسم بالبساطة والتقشف ثم العصر الأموي، الذي شهد أولى ملامح الفخامة في العمارة والزخرفة.
وتوضح د. الشيخ أنه في العصر العباسي بلغت الفنون الإسلامية نضجها خاصة في بغداد وسامراء، لأنها اظهرت الابتكارات في الخزف والخشب والمعدن ثم جاء العصر الفاطمي في مصر، فتميز بالزخارف النباتية والهندسية المتداخلة أما في الأندلس، فقد أنشأ المسلمون روائع فنية مثل قصر الحمراء وجامع قرطبة، مبينة أن العصر المملوكي والعثماني شهدا ذروة التوسع الفني، خاصة في استخدام البلاط الملون والخطوط المعمارية الجريئة، وقد ساهمت هذه العصور في تعميق تاريخ الفن الإسلامي وجعله أكثر تنوعا وثراء. مضيفة أن هذا التسلسل الزمني للفن يعكس تفاعل الفن مع السياسة والدين والثقافة. وهو ما يجعل تاريخ الفن الإسلامي مرجعا لفهم التطور الحضاري الإسلامي بأكمله.
تعدد الأنماط
وتضيف د. شيماء يوسف، أستاذ الحضارة الإسلامية، أن الفن الإسلامي في مصر، يعتبر واحدا من أكثر الفنون المتميزة والجميلة في العالم، حيث يتميز بتعدد الأنماط والتصاميم الفنية والمعمارية التي تعكس الثقافة والتاريخ والتراث المصري العريق، كما تتميز معالم الفن الإسلامي في مصر بأساليبها المتميزة والفريدة، وتعكس بجمالها وروعتها حكايات تاريخية وثقافية مختلفة.
وتنوه أستاذ الحضارة الإسلامية، أن المعالم الفنية الإسلامية، تأخذ الزوار في رحلة تعيد إلى الوراء بالزمن، إلى عصور الإمبراطوريات والأمراء والحضارات العريقة التي عرفت مصر والعالم الإسلامي فيما مضى، من خلال الفن المعماري الإسلامي المذهل أو الزخارف الإسلامية المتميزة. مشيرة إلي أن تاريخ الفن الإسلامي في مصر يعود إلى الفترة الأموية والعباسية، وتأثر بالعديد من الثقافات المختلفة، مثل الفرعونية واليونانية والرومانية والفارسية والإسلامية، وقد تميز الفن الإسلامي في مصر بتراثه الغني والمتنوع، وتعتبر العمارة الإسلامية في مصر من أهم المعالم الفنية التي تشهدها البلاد.
تنوع غني
وتوضح د. سيف، أن المعالم الفنية الإسلامية تنتشر في مصر في مختلف المناطق السياحية، حيث تعد أبرزها مدينة القاهرة القديمة والتي تحتوي على العديد من المساجد والقصور والمدارس والساحات العامة التي تعكس تاريخ الحضارة الإسلامية في مصر، كما توجد في مصر العديد من المدن التاريخية الأخرى مثل الأقصر وأسوان والإسكندرية والتي تحتوي على العديد من المعالم الفنية الإسلامية. مؤكدة أن العمارة الإسلامية في مصر تعتبر من أهم المعالم الفنية التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، حيث تشهد المساجد والقصور والمدارس والمدافن والحمامات العامة والأسواق والساحات العامة على تنوع وغنى الفن الإسلامي في مصر، لافتة إلي أن الفن الإسلامي قد انتشر في مصر في مختلف العصور والحقب التاريخية، وأثر في العديد من المجالات الفنية، مثل العمارة والزخرفة والنحت والرسم والخط العربي والفسيفساء والأثاث والمجوهرات والخزف.
وتابعت د. سيف أن الفن المعماري الإسلامي، يحتل مكانة مهمة في تاريخ الفن العالمي، حيث يتميز بأنماط فريدة ومتنوعة، كما يمتلك الفن الإسلامي في مصر أهمية ثقافية كبيرة، حيث يتمتع بتراث ثقافي غني، ويمثل جزءا مهما من تاريخ مصر العريق.
تراث حضاري
واستطردت أن الفن المعماري الإسلامي في مصر يشتمل على العديد من الأنماط والتصاميم الفنية التي يتميز بها، منها نمط المعابد والمساجد الذي يعكس تراث الحضارة الإسلامية في مصر، ومنها نمط الأقصر الذي يشتمل على العديد من النقوش والرسومات التي تعبر عن الفن الإسلامي القديم في مصر، لافتة إلي تفرد هذا الفن في مصر بالتنوع الكبير في استخدام المواد المختلفة، حيث يشتمل على استخدام الحجر والطوب والطين والخشب والزجاج والرخام وغيرها من المواد الأخرى، كما يتميز بتفاصيله الدقيقة، التي تعبر عن مدى اهتمام المصممين بالتفاصيل الصغيرة وتتجلى روعة الفن الإسلامي، عند مشاهدة مسجد السلطان حسن الذي يجسد أدق تفاصيل هذا الفن.
وتابعت د. سيف أن من أهم أنماط الفن المعماري الإسلامي في مصر هو نمط المساجد، حيث تعتبر من أهم المعالم الأثرية، واشتمالها على أنماط فنية متنوعة وجميلة، إلي جانب المساجد الشهيرة مثل مسجد الحسين ومسجد محمد علي في قلعة صلاح الدين وغيرها، موضحا أنه بجانب المساجد، يشتمل الفن المعماري، على العديد من القصور والحصون والمنازل القديمة.
وذكرت، أستاذ الحضارة الإسلامية، أن الفن الإسلامي في مصر يتميز بأسلوبه الخاص والمميز الذي ينعكس في تصميماته الجميلة والمتناسقة، وتأتي الزخارف الإسلامية كجزء من أهمية هذا الفن، حيث تستخدم بكثرة في تزيين وتجميل المعالم السياحية، كما تعد الزخارف الإسلامية فنا تشكيليا غنيا ومتنوعا يتكون من العديد من الأنماط والرموز المختلفة، مثل الزخرفة النباتية، والهندسية، والزخرفة الخطية، وزخرفة الخط العربي.
هوية عامة
أما د. أحمد الشربيني، أستاذ التاريخ الحديث، بجامعة القاهرة، فيقول إن أهمية الفن الإسلامي ترجع إلى الرمزية التي يتسم بها، كونه تأثر بأنواع من فنون حضارات سابقة وأثر على فنون لاحقة، فكان يعد جسرا بين الثقافات والشعوب على مر الزمان، حيث كانت بداية نشأته معتمدة على التراث الحضاري للأمم القديمة التي شملها الإسلام كالحضارة الرافدية والفارسية والمصرية والبيزنطية، والهندية والصينية، وكثير من المؤرخين الأجانب يؤكد بأنه يصعب القول في أن هناك بالفن الإسلامي اتجاها عربيا أو فارسيا أو تركيا أو هنديا، وإنما يوجد هوية عامة وفن وطراز عام تدخل ضمنه مدارس كثيرة لها خصوصية محلية أخذتها من تقاليدها وعاداتها الموروثة كمدرسة بغداد (السلجوقية) والصفوية والتركية والهندية والمغولية والأندلسية وغيرها، مبينا أن العلاقات تتشابه في العمارة والهندسة والزخرفة بين مسجد بلاد الشام وآخر في بغداد، هذه العلاقات المتشابهة تؤكد مفهوما واحدا وهو وحدة الفن الإسلامي رغم تباعد المكان والزمان.
حس ديني
ويوضح د. الشربيني أن الفنان المسلم، أراد أن يحاكي الطبيعة بروحها وجوهرها وليس بأشكالها المتغيرة، فجعل مقياس الأشياء روحيا وجدانيا، كما حاول تجريد الأشياء المادية وتجزئتها وإحالتها إلى عناصرها الأولية ثم أعاد بناءها من جديد وفق نظرة فلسفية جمالية نتيجة لهذا الحس الأخلاقي والديني، ولهذا فقد عاشت الشعوب العربية والإسلامية في ظل فنون واحدة تغزو كل حياتهم، وكان الجمال متغلغلا في كل شيء، في مطرقة الأبواب، والنوافذ، والمشربيات، حتى أصبحت شوارع المدن الإسلامية قطع فنية أذهلت المستشرقين والفنانين الغربيين فنقلوا للعالم هذا الجمال الذي يسمو بالنفس الإنسانية على سطح لوحاتهم الفنية.
ويؤكد، أستاذ التاريخ الحديث، أنه رغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنا على نشأة الفن الإسلامي إلا أنه لم يتغير مع تغير العصور والأنظمة، فقد ذهب الخلفاء والحكام وبادت الحضارات وسلاطينها ولكن الفن الإسلامي بقى حيا لم يختف وما زالت آثاره تزين المساجد والمصاحف والسجاجيد والأواني وغيرها، مشيرا إلي أن سر هذه الديمومة هو أن الفن الإسلامي يتجاوز كل الأفكار الوضعية والأشكال الظاهرية، كما أنه لم ينحاز إلى حزب أو قوم أو عصبة، فهو فن ينطلق من مبادئ روحانية ثابتة ومرتبطة بضروريات الحياة الإنسانية.



