أخر الأخبار

سـلام مـن رمـاد الحـرب.. والآن اقتتال «فلسطيني/فلسطيني»

السيد الحراني
السيد الحراني

في صباح هادئ من أكتوبر كانت شرم الشيخ تستيقظ على ضوء ذهبي ينساب من فوق جبال سيناء مثل وعد قديم بالسلام كان البحر ساكناً إلى حد يثير الريبة كأنه يعرف أن الموج سيستدعى هذا اليوم ليحمل أخباراً من غزة وأن الريح ستعود محمّلة بأصوات المدن التي نامت على الدخان منذ عامين لم يكن أحد يعرف بالضبط إن كانت القمة التي دعا إليها الرئيس «عبد الفتاح السيسي» ستوقف نزيف الحرب أم ستضيف فصلاً جديداً من الكلام إلى سجل طويل من الصمت لكن المدينة كانت تتنفس كما لو أنها تنتظر معجزة.

في الثالث عشر من أكتوبر عام 2025 عادت أنظار العالم إلى هذا المنتجع الذي احتضن قمة الفرصة الأخيرة لإنقاذ غزة بعد حرب لم تترك حجراً في مكانه حيث جمعت القمة قادة وممثلين من ثلاثين دولة وترأسها الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» بمشاركة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» الذي حضر شخصياً في مشهد بدا أشبه بعودة ممثل عجوز إلى مسرح يعرف أنه فقد جمهوره لكنه ما زال يحفظ نصوص المجد القديم.

حضور «ترامب» إلى مسرحنا لم يكن بروتوكولاً بل استعراضاً لدور أراد أن يستعيده بعد سنوات من الجدل حيث قال: «إنه جاء ليصنع السلام وليوقف الحرب» لكنه كان يعلم كما يعلم الحاضرون جميعاً أن الشرق الأوسط لا يحب الصانعين الجدد للسلام لأن «كل سلام فيه يولد من رماد حرب» لم تنته بعد تحدث ترامب بلهجة متصنعة من الهدوء عن إعادة الإعمار وتبادل الأسرى لكن خلف ابتسامته كان ظل الحسابات السياسية في واشنطن يطل بوجه بارد لا يعرف غزة ولا دموعها.

الحدث الأبرز كان غياب «بنيامين نتنياهو» رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي المحتل الذي أعلن أن القمة تصادف عطلة دينية فيما الحقيقة أن حضوره كان سيضعه في موقف حرج أمام اليمين المتطرف في إسرائيل وأيضاً سيشعل انسحابات مثل الرئيس التركي «رجب أردوغان» الذي هدد بذلك في حركه مسرحية من ممثل غير موهوب.. وأيضا يكشف هشاشة المشهد الإقليمي فاختار الغياب ليحضر غيابه ثقيلاً على القاعة تماماً كما تحضر الذنوب حين يتكلم الواعظون عن الفضيلة أما بعض الملوك والرؤساء العرب فقد مارسوا تراثهم ومورثهم من الدهاء والمؤامة حيث آثروا الصمت في قصورهم وأرسلوا من يمثلهم كي لا يحسبوا على أي معسكر من معسكرات الدم وكالعادة تركوا مصر وحدها في قلب المعركة تقودها وتتحمل تبعاتها ولكنها قادرة دائمة على ذلك بحب وعطاء.

ولم يجب البيان الختامي عن الأسئلة التي يعرفها الجميع «من سيحكم غزة بعد الحرب؟!» و«من سيحكم الحرب نفسها؟!» و«من يعيد الأطفال الذين صاروا رماداً إلى أمهاتهم؟!» و«من يعيد المعنى إلى كلمة سلام التي صارت في القاموس العربي مرادفاً للهدنة المؤقتة؟!».

وسط كل ذلك جاء مشهد تسليم إسرائيل رهائنها وجثث قتلاها ليكشف زيف العدالة الدولية فقد شاهد العالم طائرات بيضاء تحمل النعوش المغطاة بالأعلام الإسرائيلية بينما تحت ركام غزة كانت أجسادً بلا أسماء تسحب من تحت الحجارة كأنها أسرار يجب إخفاؤها.

تسلمت إسرائيل جثث قتلاها باحترام فيما لم يجد الفلسطينيون من يطالب بجثث أبنائهم الذين قتلوا وشوهوا وشردوا لأكثر من عامين في مشهد بدا كأنه عدالة مائلة تميل كل مرة لصالح من يملك الكاميرات والميكروفونات لا لصالح من يملك المقابر.

والغريبة أن في الوقت الذي كان فيه القادة يتبادلون الكلمات كانت غزة تغلي على وقع صراع داخلي جديد بين حماس وبعض العائلات المسلحة.. صراع ولد من رحم الفوضى والفراغ.. ومن جوع الناس إلى سلطة تمنحهم الأمن أو الخبز أو حتى معنى للانتماء.

أطلقت حماس يد أجهزتها الأمنية لاعتقال واتهام وتصويب الرصاص على من قالت إنهم متعاونون أو متمردون وسقط في الشوارع رجال لم يعرف أحد إن كانوا خونة أم ضحايا تصفية حسابات كل ما عرف أنهم فلسطينيون يموتون على أيدي فلسطينيين في أرض كان يفترض أن تموت فيها الحرب لا الإنسان.

تقول حماس إنها تحاول فرض النظام لكن النظام الذي يبنى على الدم يصبح جداراً آخر في مدينة لم تعد تعرف أين تبدأ المقاومة وأين تنتهي السلطة وبينما كانت القذائف تتناقص كان الغضب يتكاثر وكان الناس يتهامسون بأنهم تعبوا من الحرب ومن الهدنة ومن الحاكم الذي لا يرحل ولا يفسح الطريق لغيره.

قمة شرم الشيخ كانت محاولة لإيقاف الزمن عند لحظة واحدة كي لا يسقط الشرق الأوسط في الهاوية لكنها أيضاً مرآة عاكسة لوجوه المتعبين وحضور «ترامب» أعطاها بريقاً عابراً وغياب «نتنياهو» جعلها ناقصة مثل قصة لم يكتب فصلها الأخير لأنه الجاني المجرم الذي كان لابد أن يمثل أمام عدالة المؤتمر ويرى العالم أنه فقد تعجرفه وعناده واجبر من أجل التراجع عن تصميمه ابادة غزة واهلها أمام القادة الحضور.. أما غزة فبقيت كما هي جرحاً مفتوحاً على وجه العالم كلما حاولوا تضميده سال من جديد.

في مساء اليوم الذي اختتم فيه المؤتمر كانت المدينة تغرق في ضوء برتقالي حزين البحر عاد إلى هدوئه الأول وكأن شيئاً لم يكن والوفود غادرت الفنادق تاركة خلفها أعلاماً تتدلى في الريح على كورنيش فارغ في تلك اللحظة شعر المارة بأن القمة انتهت كما تبدأ الأحلام الطويلة في روايات الكولومبي «غاربيا غارسيا ماركيز» ببطء غامض حيث يمتزج الواقع بالأسطورة ويصبح الزمن دائرة لا خطاً.

غزة بقيت هناك خلف البحر لا تعرف إن كانت على وشك الخلاص أم على وشك البدء من جديد في طوفان من الدم الداخلي «الفلسطيني الفلسطيني» وكأن كتب عليها وعلى أهلها دائماً الموت.. وفي الأفق البعيد كانت الطيور تحلق فوق سيناء كأنها تبحث عن سلام لا يصدقه أحد لكنه رغم كل شيء يظل ممكناً لأن البشر مهما تعبوا من الحرب لا يكفون عن انتظار المعجزة.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا