برحيل العالم الجليل الأستاذ الدكتور «أحمد عمر هاشم» عضو هيئة كبار العلماء ورئيس جامعة الأزهر الأسبق فقدت مصر والأمة الإسلامية واحداً من أعلام الفكر الوسطي والدعوة الرشيدة وركناً من أركان الأزهر الشريف الذي ظل طوال حياته منارة للعلم والاعتدال والوطنية الصادقة.
ولد الدكتور «أحمد عمر هاشم» عام 1941 في قرية بني عامر بمحافظة الشرقية وتخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف ليتدرج في مناصبها حتى أصبح رئيسا للجامعة في تسعينيات القرن الماضي ثم عضواً في هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وعرف بعلمه الغزير في الحديث الشريف وبأسلوبه الرفيع في الخطابة الذي جمع بين البلاغة والعاطفة والصدق فكان صوته مألوفاً في المساجد وشاشات التلفاز يخاطب العقول والقلوب معا داعياً إلى الخير والاعتدال والتمسك بالقيم الإسلامية السمحة.
لم يكن الدكتور «أحمد عمر هاشم» من أولئك الذين يلوذون بالصمت في وجه الباطل بل كان من أشد العلماء مواجهة للتطرف والغلو في الدين من فوق منابر الأزهر والإعلام حيث تصدى بشجاعة لتنظيم الإخوان المسلمين كاشفاً عوار وزيف شعاراتهم ومبيناً أن الدين لا يستغل في السياسة ولا يتخذ مطية للوصول إلى السلطة.
كما كان من أبرز الأصوات التي واجهت الجماعة الإسلامية في التسعينيات حين حاولت جر الشباب إلى دوائر العنف والإرهاب فكان يقول في إحدى خطبه من يرفع السلاح على أبناء وطنه فقد خرج من جماعة المسلمين قبل أن يخرج على الدولة وفي سنوات الفوضى كان موقفه واضحاً ضد تنظيم داعش إذ وصفهم بأنهم أعداء الإسلام قبل أن يكونوا أعداء البشر يرفعون راية الدين وهم يذبحون باسمه.
تميز الفقيد بموقفه الوطني الثابت إذ كان من أوائل العلماء الذين أعلنوا دعمهم للدولة المصرية في مواجهة الإرهاب مؤكداً أن حب الوطن من الإيمان وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة واجب شرعي وكان قريباً من دوائر القرار مستشاراً وموجهاً لكنه ظل يحتفظ بمكانته كعالم مستقل لا يبيع رأيه ولا يغير مواقفه.
عرف عنه دعمه القوي للرئيس الراحل محمد حسني مبارك خلال فترات الاضطراب حيث كان يرى فيه رمزاً للاستقرار ثم واصل موقفه الوطني الواضح مع الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤكداً أن ما يقوم به من حرب ضد الإرهاب هو جهاد في سبيل الله لحماية مصر والأمة كلها.
امتدت رسالة الدكتور «أحمد عمر هاشم» خارج حدود الوطن فكان سفيراً حقيقياً للأزهر الشريف في العالم الإسلامي.. جاب بلاد العرب وآسيا وأفريقيا مشاركاً في مؤتمرات وندوات دعوية أسهمت في ترسيخ الصورة المشرقة للعالم الأزهري المعتدل حيث لاقت كلماته صدى واسعاً في العواصم الإسلامية التي زارها من جاكرتا إلى الدار البيضاء ومن الخرطوم إلى كوالالمبور كان يحمل في قلبه روح الأزهر وفي فكره عقل مصر فترك أثرا طيباً في نفوس المسلمين وأعاد إلى الأذهان صورة رجل الدين المصري الواعي المنفتح الذي يجمع بين الأصالة والعلم والاعتدال فازدادت هيبة الأزهر في الخارج بفضل حضوره الهادئ وقوة حجته وصدق نبراته.
لم يكن حوار الدكتور «أحمد عمر هاشم» مع الآخر شعاراً إعلامياً بل كان واقعا عاشه وعمل من أجله جمعته علاقة احترام ومودة مع قداسة البابا «شنودة الثالث» إذ كان يصفه بأنه رمز وطني مخلص وكان يؤمن بأن العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر هي علاقة وطن واحد ومصير مشترك وكان يقول دائما المسلم والمسيحي في مصر كجناحي طائر لا يقدر الوطن أن يحلق بدونهما.
ارتبط بعلاقة وطيدة بالشيخ «محمد متولي الشعراوي» الذي كان يقدره كثيراً وغالباً ما كان يروي مواقفه معه في الندوات والدروس مؤكداً أن الشعراوي كان مدرسة في الفهم الراقي لكتاب الله كذلك كان يحرص على زيارة العلماء والدعاة ومجالستهم متواضعاً لا يرى في نفسه إلا خادماً للعلم والدين.
في فجر اليوم طوى الدكتور «أحمد عمر هاشم» آخر صفحات عمره بعد رحلة حافلة بالعلم والجهاد بالكلمة والدفاع عن الدين والوطن شيعته مصر من الجامع الأزهر الشريف حيث امتزجت الدموع بالدعاء وارتفعت الأصوات بالحمد على رجل عاش للحق ومات عليه لقد رحل الدكتور «أحمد عمر هاشم» جسداً لكن صوته سيظل يتردد في القلوب احفظوا دينكم وبلادكم فالوطن أمانة والدين رسالة ومن خان الأمانة ضيع الرسالة.
رحم الله الدكتور أحمد عمر هاشم وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن مصر والأزهر والإسلام خير الجزاء فقد ترك إرثاً خالداً من العلم والوسطية والوطنية الصادقة سيبقى نبراساً للأجيال القادمة.



