في مصر حيث ينساب النيل كوتر أبدي بين الأرض والسماء «لن تفلح معه محاولات دولة إثيوبيا والمتآمرين معها لحجبه أو توقف جريانه» وحيث تخفق المآذن فوق قباب الأضرحة في مشهد لا يعرفه إلا وجدان المصريين ولد التصوف المصري متميزاً عن كل مدارس الروح في العالم الإسلامي.
إنه تصوف لا يعرف العزلة ولا الانغلاق بل يعيش بين الناس يرافقهم في الأسواق ويسكن في الزوايا ويشاركهم الأفراح والمأسي حتى صار جزءاً من هويتهم لا ينفصل عنهم ولا ينفصلون عنه.
منذ أن استقرت أرواح آل بيت النبي في القاهرة من الإمام الحسين إلى السيدة زينب التي لقبت بأم العواجز.. ومن مقام أحمد البدوي في طنطا إلى مقام إبراهيم الدسوقي في الدلتا ارتسمت خريطة روحية لم تعرفها أرض أخرى.
في هذه الأرض تعاقب رجال أعلام أمثال «عبد الوهاب الشعراني» الذي جمع بين العلم والروح و«أبو الحسن الشاذلي» الذي أطلق طريقاً روحياً تجاوز مصر إلى الآفاق و«أحمد البدوي» الذي ظل حتى اليوم رمزاً للكرم والبطولة الروحية والوطنية.. هؤلاء جميعاً لم يكونوا مجرد أولياء للذكر بل كانوا قادة للمجتمع يزرعون الطمأنينة ويغذون الأمة بالأمل والإيمان.
ومع بدايات القرن العشرين جاءت «مشيخة الطرق الصوفية» لتكون بيتاً جامعاً يحفظ الطرق وينظم شئونها ويحميها من الانقسام والضعف وقد لعبت المشيخة دوراً تاريخياً في حماية هوية التصوف من محاولات التشويه أو الطمس كما شاركت في القضايا الوطنية الكبرى.. ففي ثورة عرابي أواخر القرن التاسع عشر كان المريدون والمشايخ جزءاً من الحراك الشعبي ضد الاستبداد.. وفي ثورة 1919 خرجت الطرق الصوفية بمواكبها ترفع الرايات وتؤكد أن الروح والدين في خدمة الوطن حتى أن زواياهم تحولت إلى مراكز تعبئة وحشد للمظاهرات.
ولم يتوقف دورهم عند حدود الروح أو التاريخ بل امتد إلى ميدان القتال فقد ساندت الطرق الصوفية الجيش المصري في حرب عام 1967 وحرب أكتوبر المجيدة عام 1973 حيث كانت الزوايا مراكز للدعاء والتبرع وجنودها في الميدان يحملون معهم وصايا المشايخ بأن الدفاع عن الأرض دفاع عن الدين.
وقد روي عن بعض المشايخ أنهم كانوا يحثون أبناء الطرق على التبرع بالدم والمال وأن حلقات الذكر تحولت في تلك السنوات إلى جبهات معنوية تزرع الصبر والأمل في القلوب.
واليوم في ظل التحديات التي تواجه الأمة لم تتراجع مكانة التصوف ولا دوره فمشيخة الطرق الصوفية بقيادة مشايخها البارزين تواصل حماية هذا التراث العظيم من الفكر المتشدد وتؤكد أن المحبة أقوى من الكراهية وأن الاعتدال أقدر على البناء من الغلو ولعل أسماء مثل الشيخ «محمد زكي إبراهيم» مؤسس العشيرة المحمدية الذي ربط بين التصوف والعمل الخيري والشيخ «علاء أبو العزايم» شيخ الطريقة العزمية المدافع عن الدولة المدنية والدكتور «عبد الهادي القصبي» شيخ مشايخ الطرق الصوفية الحالي خير دليل على أن التصوف لم يتوقف عن المشاركة في بناء مصر الحديثة فالطرق الصوفية اليوم ممثلة في البرلمان ولها صوتها في الساحة السياسية والفكرية تعكس حضوراً يثبت أن التصوف ليس انسحاباً من الحياة بل انغماساً فيها بروح من المحبة والتسامح.
إن «التصوف المصري» بهذا كله ليس مجرد تجربة روحية بل هو تاريخ ممتد من الجهاد الوطني من الثورة العرابية إلى ثورة 1919 ومن نكسة 1967 إلى نصر 1973 وصولاً إلى الحضور السياسي والبرلماني في 2025.
إنه مدرسة للروح والعقل للوطن والدين مدرسة صنعتها أرض مصر وأبناؤها لتبقى متميزة عن كل مدارس التصوف في العالم الإسلامي.
تصوف يمشي بين الناس يبتسم في وجوههم ويمد يده للوطن كلما احتاج حتى صار لمصر بفضله نور داخلي لا ينطفئ ووجه مضيء يطل على العالم كما يطل القمر على ليل المسافرين.
وختاماً التصوف في مصر ليس تاريخاً يروى فحسب بل حاضر يعاش ومستقبل يبنى.. إنه دعوة دائمة إلى الحب في زمن الكراهية والحروب وإلى التسامح في زمن الانقسام وعلى القارئ المصري أن يدرك أن هذا التراث الذي ورثناه من أوليائنا ليس مجرد طقوس بل هو رصيد وطني وسلاح معنوي ودرع يحمي هويتنا من الانجراف.. فلتبق مصر صوفية القلب نقية الروح حاملة مشعل الوسطية والاعتدال للعالم كله.



