بقلم: د ابراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية
المشروع الصهيوني ليس مجرد خطة لإقامة دولة لليهود في فلسطين وحسب، بل هو مشروع توسعي ذو أبعاد تاريخية وسياسية وثقافية ودينية تمسّ الأمن القومي للمنطقة العربية بأسرها .
على مدار عقود، تكشّفت مخاطره بشكل جليّ، وظهر جليًا كيف يشكّل تهديدًا للسلام والأمن القومي في المنطقة بأسرها
السياق التاريخي للمشروع الصهيوني
نشأت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر بهدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنها سرعان ما وجدت دعمًا قويًا من القوى الاستعمارية الغربية. في عام 1799، وجّه نابليون بونابرت نداءً لليهود للعودة إلى فلسطين، كأول إشارة حديثة لاستغلال فكرة الوطن اليهودي . لاحقًا، تعاظم الاهتمام البريطاني بفلسطين في سياق التصدي لطموحات محمد علي باشا التوسعية في المشرق (1831-1840) . وتوّج الدعم الغربي بوثيقة كامبل بنرمان سنة 1907 التي اقترحت إنشاء “حاجز بشري قوي وغريب” في المنطقة الرابطة بين آسيا وأفريقيا، يكون معاديًا لأهل المنطقة ومعتمدًا على الغرب . هذه العبارة تكشف بوضوح نوايا القوى الاستعمارية في زرع كيان يفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، وهو ما تحقق بوعد بلفور 1917 الذي تعهّد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين .
جاءت نكبة 1948 لتجسد هذه المخططات على الأرض؛ إذ أُعلنت دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، وتم اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم. خاضت مصر مع أشقائها العرب حرب 1948 في محاولة لمنع قيام هذا الكيان، ثم توالت الصدامات. في عام 1956 تعرضت مصر لعدوان ثلاثي (بريطاني-فرنسي-إسرائيلي) إثر تأميم قناة السويس، وفي حرب 1967 احتلت إسرائيل سيناء المصرية والجولان السورية وبقية فلسطين، ما كشف الوجه التوسعي للمشروع الصهيوني. ولم تستعد مصر أرض سيناء إلا بعد حرب أكتوبر 1973 التي مهّدت لمعاهدة السلام عام 1979.
المشروع الصهيوني ذو طبيعة توسعية سياسيًا وجغرافيًا؛ فهو لم يكتفِ بالحدود التي أقرتها قرارات الأمم المتحدة، بل سعى دومًا لتوسيع نفوذه. إسرائيل استغلت تفوقها العسكري في 1948 و1967 لفرض أمر واقع جديد على الأرض (زيادة مساحة سيطرتها من 55% وفق خطة التقسيم إلى 78% من أراضي فلسطين في 1948، ثم احتلال ما تبقى من فلسطين والجولان في 1967). كما أنها انخرطت في سلسلة حروب وعمليات عسكرية عبر العقود لتعزيز مشروعها، من اجتياح لبنان 1982 إلى اعتداءاتها المتكررة على غزة.
الأخطر من ذلك، أن التيار الصهيوني اليميني تبنّى رسميًا فكرة إسرائيل الكبرى. ففي أغسطس 2025 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ارتباطه العلني بهذا المفهوم التوسعي . ومشروع “أرض إسرائيل الكبرى” يعني حدودًا تتجاوز ما هو معترف به دوليًا لتشمل أجزاء من الضفة الغربية وغزة ودول مجاورة كالأردن ومصر وسوريا ولبنان . وهو مفهوم ذو جذور أيديولوجية ودينية يتحدث عن أرض تمتد “من النيل إلى الفرات” .
تصريحات نتنياهو أثارت إدانات واسعة عربياً، لأنها تناغمت مع دعوات متطرفين دينيًا إلى هذه الأطماع الخطيرة . وهذا التطور يؤكد أن النزعة التوسعية الصهيونية لم تنتهِ بالتسويات السياسية، بل ما زالت حية في الخطاب الإسرائيلي الرسمي.
الأخطار الثقافية والدينية
لا يقتصر تهديد المشروع الصهيوني على الأرض والسياسة؛ فله بُعد ثقافي وديني يهدد الهوية والاستقرار المجتمعي في مصر والمنطقة. منذ البدايات، اعتمدت الصهيونية على أسطورة دينية تمنحها حقًا مزعومًا في أرض تمتد إلى حدود خيالية. يرتكز مفهوم “إسرائيل الكبرى” على تفسيرات نصوص توراتية تدّعي وعدًا إلهيًا بأرض تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق . واستُغل هذا الخطاب في تبرير الاستيطان وشرعنة التوسع، مما يعني أن ثقافة المشروع الصهيوني تحمل في طياتها تهديدًا ضمنيًا لوحدة أراضي دول الجوار بما فيها مصر. فعندما تؤمن شريحة من الإسرائيليين بأن لهم حقًا دينيًا في سيناء المصرية مثلًا، فإن ذلك يشكّل خطرًا مستقبليًا يجب التحسّب له.
على جانب آخر، روّجت الأدبيات الصهيونية لنظرة استعلائية تجاه العرب والمسلمين. تأثرت الذهنية الصهيونية بأفكار التفوّق العرقي التي سادت في أوروبا؛ فجرى تصوير اليهودي الأوروبي على أنه “متفوق ومتحضّر” مقابل العربي “المتخلف والمتوحش” . حتى مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل زعم أن إنشاء دولة صهيونية في فلسطين يشكّل “عنصرًا أساسيًا في مواجهة الروح الوحشية في آسيا” . هذه النظرة الدونية للآخر تجد صداها في مناهج التعليم والإعلام الإسرائيلي؛ إذ كشفت دراسة للأكاديمي الإسرائيلي دانيال بار طال شملت 124 كتابًا مدرسيًا، أنّ العربي يوصف بصفات سلبية شديدة (مثل: قاسٍ، مخادع، جبان، قاتل…) . والأسوأ أنّ هذه النظرة لم تتغير حتى بعد اتفاقيات السلام مع مصر والأردن . إن بثّ ثقافة الكراهية والتحقير تجاه العرب يرسّخ عقلية صدامية لدى الأجيال الإسرائيلية، ويجعل أي حديث عن سلام حقيقي هشّ الأساس. فهو تهديد ثقافي وأيديولوجي مباشر للسلم المجتمعي؛ لأن الطرف المقابل (الصهيوني) يغذّي أفراده على العداء المتأصل لجيرانه، مما ينذر باستمرار الصراع.
علاوة على ذلك، سعى المشروع الصهيوني لاختراق النسيج الثقافي العربي عبر ما يسمى الغزو الثقافي. فمنذ عقد معاهدات السلام، استخدمت إسرائيل أدوات الإعلام والفن والسياحة لنشر روايتها والتأثير على الرأي العام في دول مثل مصر. تم إنشاء مراكز ومؤسسات بعد التسوية، هدفها إقامة روابط ثقافية وتطبيع وجود الكيان الصهيوني في الوعي العربي والإسلامي. ومن أساليب الاختراق استغلال وسائل الإعلام المحلية بشكل غير مباشر لنشر رسائل تخدم صورة إسرائيل أو تقبل بها . هذا التغلغل الناعم قد يؤدي إلى تفكيك الممانعة الثقافية تدريجيًا، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، إذا لم يواجه بالوعي والتحصين الفكري. أما على المستوى الديني، فقد حاولت إسرائيل استمالة بعض الأقليات الدينية أو توظيف الخطاب الديني لخدمة مصالحها، كادعاء حماية الأقليات غير المسلمة في الدول العربية بهدف خلق ولاءات بديلة.
التهديد للأمن القومي المصري
إن انعكاسات المشروع الصهيوني على الأمن القومي المصري عميقة ومتعددة المستويات. فعلى المستوى العسكري المباشر، خاضت مصر أربع حروب كبرى ضد إسرائيل (1948، 1956، 1967، 1973) دفاعًا عن أرضها وحقوق العرب، مما كبّدها خسائر جسيمة في الأرواح والموارد وفرص التنمية. ورغم معاهدة السلام التي جنبت مصر ويلات الحروب المباشرة طيلة العقود الأخيرة، إلا أن الخطر الأمني لم يختفِ، بل اتخذ أشكالًا أخرى أكثر تعقيدًا.
أحد هذه الأخطار يتمثل في الخطط الصهيونية لتفتيت الدول العربية ومن بينها مصر. لقد كشفت دراسات استراتيجية إسرائيلية أن بعض منظري الصهيونية رأوا في وحدة مصر وقوّتها تهديدًا بعيد المدى لإسرائيل. على سبيل المثال، قدّم الخبير الإسرائيلي عوديد ينون عام 1982 خطة تقضي بتقسيم مصر إلى دويلات على أسس طائفية وإثنية (دولة للمسيحيين الأقباط في الشمال، وأخرى للنوبيين في الجنوب، ودولة للمسلمين في القاهرة، وأخرى تحت النفوذ الإسرائيلي) . وهذه ليست مجرد أفكار نظرية؛ فاستراتيجية “شد الأطراف ثم بترها” كانت نهجًا إسرائيليًا في التعامل مع أقليات المنطقة . بمعنى إقامة جسور مع جماعات منفصلة الهوية ثم تشجيعها على الانفصال عن دولها . وفي حالة مصر، ورغم تماسك نسيجها الوطني، لا يمكن الاستهانة بمحاولات بث الفتن الطائفية أو استغلال التوترات (كما حدث في فترات سابقة من فتنة طائفية محدودة) خدمةً لهذا الهدف الخبيث.
خطر آخر بالغ الأهمية يتعلق بالموارد الحيوية المصرية وعلى رأسها مياه النيل. تدرك إسرائيل أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل في الشرب والزراعة والصناعة. ومنذ سنوات، تلعب إسرائيل دورًا خفيًا في دعم مشروع سد النهضة الإثيوبي بما يحقق مصلحتها في إضعاف مصر. تفيد تقارير استراتيجية بأن إسرائيل تعتبر إضعاف مصر هدفًا لضمان أمنها، وذلك عبر حرمانها أو التأثير على مواردها الأساسية ومنها مياه النيل . وقد أوصى خبراء إسرائيليون بإبقاء مصر في حالة وهن اقتصادي (من خلال ضرب مواردها) وإغراقها في مشاكل أمنية كالإرهاب في سيناء والنزاعات الحدودية، حتى لا تستعيد عافيتها الإقليمية . نهر النيل نفسه لم يكن بعيدًا عن أحلام الصهيونية المبكرة؛ فقد طرح هرتزل عام 1903 مشروعًا لجرّ مياه النيل إلى صحراء النقب . واليوم، تنظر إسرائيل لسد النهضة كوسيلة لحصار مصر استراتيجيًا عبر التحكم بمصدر حياتها المائي . هذا التهديد يعتبر أخطر ما يكون على ازدهار مصر واستقرارها؛ فالمياه مسألة أمن قومي مصيري، وأي ضغط على هذا المورد قد يعرّض ملايين المصريين للخطر ويقيّد نمو الاقتصاد الزراعي والصناعي.
وتتجلى خطورة المشروع الصهيوني على أمن مصر أيضًا في احتمالات اندلاع أزمات حدودية مباشرة. خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة (أكتوبر 2023)، كادت نيران الحرب تطال الأراضي المصرية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن إحدى دباباته قصفت موقعًا مصريًا حدوديًا عن طريق الخطأ خلال العمليات، ما أدى إلى إصابة بعض الجنود المصريين بجروح طفيفة . مثل هذه الحوادث تدق ناقوس الخطر؛ إذ تضع الجيش المصري في حالة تأهب وتوتر على الحدود. كما أن الضربات الإسرائيلية قرب معبر رفح أدت لإغلاقه مرارًا وعطّلت إدخال المساعدات، مما شكّل ضغطًا سياسيًا وأمنيًا على القاهرة . وبالتزامن، برزت مخاوف مصرية شديدة من مخطط تهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء تحت وطأة القصف. وقد حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صراحةً من أن أي محاولة لفرض تهجير كهذا تعتبر خطًا أحمر وتهديدًا للأمن القومي المصري والعربي . هذا التصريح الرسمي في فبراير 2025 جاء ليؤكد أن القاهرة ترى في سياسات التفريغ السكاني التي يدفع بها بعض قادة إسرائيل خطرًا استراتيجيًا يستهدف مصر كما يستهدف فلسطين.
الواقع الراهن والتحديات
في السنوات الأخيرة، تواجه مصر تحديًا مركبًا: كيف تحافظ على مكاسب السلام النسبي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تتصدى للتمدّد الصهيوني بأشكاله المختلفة؟ فعلى الصعيد الرسمي، تلتزم مصر بمعاهدة السلام وتعتمد الدبلوماسية في دعم الحقوق الفلسطينية وتجنب الانجرار لصراع مفتوح. لكن الواقع يشهد تصاعد التوتر الإقليمي نتيجة السياسات الإسرائيلية. فاستمرار الاحتلال والقمع في الأراضي الفلسطينية المحتلة يضع مصر في موقف حرج بين تعهداتها الدولية وتعاطف شعبها العميق مع الفلسطينيين. وقد بدا ذلك جليًا خلال حرب غزة 2023، حيث خرجت مظاهرات غاضبة في الشارع المصري تضامنًا مع غزة ورفضًا للعدوان الإسرائيلي، مما اضطر القيادة المصرية لاتخاذ نبرة حازمة مع إسرائيل. وأعادت القاهرة التأكيد مرارًا أنه لا تنازل أبدًا عن حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كضمان وحيد للسلام الدائم .
إقليميًا، هرولت بعض الدول نحو التطبيع في إطار ما سمي “اتفاقيات إبراهام”، ما أدى إلى تصدع الموقف العربي الموحد تاريخيًا تجاه القضية الفلسطينية. هذا التطبيع المجاني شجّع إسرائيل على المزيد من التشدد، ظنًا منها أن البيئة العربية أصبحت أكثر تقبلًا لها. لكن مصر التزمت خطًا متوازنًا؛ فهي وإن لم تعارض تفاهمات الآخرين السيادية، إلا أنها حافظت على ثوابتها: دعم الحقوق الفلسطينية ورفض تحويل التطبيع إلى قبول بانتهاك الحقوق. وكان لمصر دور محوري في التهدئة بقطاع غزة بعد كل جولة تصعيد، بما يحمي استقرار المنطقة ويجنّبها الانفجار. ومع ذلك، فإن الواقع الحالي ينبئ بتحديات جديدة؛ فإسرائيل اليوم بقيادة حكومة يمينية متطرفة تواصل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية دون هوادة، وتقنن تهويد القدس، وترفض أي خطوات جدية نحو السلام. هذا التعنت يهدد بانهيار حل الدولتين، وبالتالي يبقي جذوة الصراع مشتعلة. ووجود صراع مفتوح على حدود مصر الشرقية يعني استمرار خطر انجرار مصر لمواجهة غير مباشرة، سواء عبر تدفق اللاجئين أو نشاط جماعات مسلحة أو اضطرارها لتحركات عسكرية لحماية حدودها.
من جانب آخر، الأزمة الاقتصادية في إسرائيل بسبب كلفة الحروب والسياسات المتطرفة بدأت تنعكس على المنطقة. ففي حرب غزة الأخيرة، تعطلت سلاسل التوريد وأُغلقت المعابر أحيانًا، مما أثّر على حركة التجارة من وإلى مصر عبر الأراضي المحتلة. كما اهتزّت الثقة باستقرار بيئة الاستثمار في المنطقة ككل. إن أي تراجع للاستقرار الأمني بسبب السياسات الصهيونية يُضعف فرص الازدهار الاقتصادي الإقليمي الذي تطمح إليه مصر عبر مشروعات كبرى (كخطط الربط الكهربائي أو الغاز مع دول المشرق). وعلى صعيد البحر الأحمر، تسعى إسرائيل للتموضع عسكريًا (قواعد في إرتريا وغيرها ) مما قد يؤثر على أمن الملاحة في قناة السويس شريان الاقتصاد المصري.
الانعكاسات المستقبلية المحتملة
الحرب على الوعي ستشتد. إسرائيل تدرك أنه رغم قوتها العسكرية، فإن الخطر الحقيقي على مشروعها يأتي من صمود الوعي العربي الرافض لها. لذلك ستضاعف جهودها الإعلامية والدعائية لاختراق العقول، خاصة لدى الشباب، في محاولة لتطبيع وجودها وكسر الصورة السلبية عنها. المستقبل قد يشهد ازدياد المحتوى الموجّه للمصريين عبر منصات التواصل والمنابر الثقافية لإقناعهم بأن إسرائيل “شريك في السلام والازدهار” وليس عدوًا. هذه المعركة الناعمة لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية، لأن نجاحها يعني تقبّل الأجيال القادمة للمشروع الصهيوني وتخليها عن ثوابتها التاريخية.
مع ذلك، هناك نقاط مضيئة تلوح في الأفق. فالمشروع الصهيوني رغم كل جبروته يواجه أزمات داخلية وبوادر أفول. التقارير تشير إلى أزمة هوية تعصف بإسرائيل، وانقسامات مجتمعية حادة، وأزمات سياسية واقتصادية خانقة . كما أن المقاومة الفلسطينية أثبتت قدرة على الصمود واستنزاف المحتل، مما قد يجعل إسرائيل أكثر انعزالًا وتوجسًا. بعض المراقبين يذهبون إلى أن المشروع الصهيوني لن يستطيع الاستمرار طويلًا بنفس الاندفاع، خاصة إن بقيت الشعوب العربية واعية ومتأهبة. فوعي الشعوب هو خط الدفاع الأخير؛ متى ما فشلت إسرائيل في اختراقه، ستبقى غريبة في محيطها، عاجزة عن فرض هيمنتها الكاملة.
ختامًا، إن أخطار المشروع الصهيوني على مصر ليست أوهامًا ولا مبالغات خطابية، بل هي حقائق موثقة في كتب ودراسات وتصريحات لمسؤولين . هذا المشروع الذي تأسس على اغتصاب أرض فلسطين وتعميق الانقسام العربي، يشكّل بطبيعته تهديدًا لأمن مصر القومي وللسلام الإقليمي. فالتاريخ علّمنا أن كلما تمدد النفوذ الصهيوني ضعفت حلقات الأمن العربي، وأن أي تفريط أو تراخٍ في مواجهته سياسيًا وفكريًا يجرّ وراءه ثمنًا غاليًا تدفعه الأجيال القادمة.
إن الوعي الشعبي هو السلاح الأمتن في التصدي لهذه الأخطار. على المواطنين أن يدركوا أبعاد المشروع الصهيوني تاريخيًا وواقعًا، بعيدًا عن التهويل ولكن أيضًا بعيدًا عن السذاجة. فالوعي المستنير يضمن التفاف المصريين حول ثوابت أمنهم القومي، ويدفعهم لدعم مواقف دولتهم حين تدافع عن الحقوق العربية وترفض التوطين أو التهجير أو التفريط بالسيادة. كما أن نشر الوعي يعزّز المناعة الثقافية في وجه محاولات الاختراق والتطبيع الزائف. في نهاية المطاف، الرهان معقود على شعوبنا بأن تبقى يقظةً ومدركةً أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بزوال جوهر الخطر الذي يمثله المشروع الصهيوني، وباستعادة الحقوق المغتصبة. وحتى ذلك الحين، ستظل مصر بقيمتها التاريخية والجيوسياسية صمّام أمان الأمة العربية، وحائط الصد الأول في مواجهة كل ما يهدد أمن المنطقة ومستقبلها . والحفاظ على هذا الدور يبدأ بالوعي وينتهي بالعمل الجماعي الحكيم على كافة المستويات.



