الخيرية في ميزان الشريعة الإسلامية

د.حمدي ابراهيم عامر
د.حمدي ابراهيم عامر

 

بقلم: د. حمدي إبراهيم عامر

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

 

كثيرًا ما نسمع عند احتدام النزاع أو التفاضل أو المعايرة  بين اثنين جملة (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) وما على شاكلتها كقولهم ("أنا أعلم" "أنا أذكى" "أنا أعبد"

"أنا أكرم نسبًا" "أنا أغنى" "أنا أكثر منك مالا" "أنا أكثر منك ولدا" "أنا أكثر منك نفوذًا" "أنا أقوى")، وليعلم الناس أن هذه الجملة وما على شاكلتها أول من قالها هو إبليس ـ عليه لعنة الله ـ (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ),  قالها إبليس مستكبرا، فكانت بداية الشقاء، وأصل البلاء، ومفتاح كل معصية .

 

وتلك الجملة يقولها الغني في قلبه إذا نظر إلى الفقير .ويقولها القوي إذا نظر إلى الضعيف .ويقولها بعض المتعلمين إذا احتقروا غيرهم من غير المتعلمين .

ويقولها البعض في تفاخرهم بالأنساب والألوان واللغات. وكلها صور من صور الاستعلاء، حتى وإن اختلفت الألفاظ

وهذه الجملة تُعمي البصيرة: فتمنع صاحبها دوما من رؤية الحقيقة .وتزرع العداوة: كل استعلاء ينتج عنه كراهية للآخر، لأنه يقوم على احتقار من الآخر . وتُميت الروح: القلب الذي يظن نفسه خيرًا من الآخرين لا يعرف التواضع، فيغلق باب الرحمة الإلهية .

 

ونطهِّر قلوبنا ونعالجها من  تلك الجملة: بالتفكر: أن نُحاسب أنفسنا: ما الذي يجعلني أقول "أنا خير منه"؟ هل هو مال؟ هل هو جمال؟ وهل هذه بيدي؟ وبالمخالطة: أن نقترب من الضعفاء والفقراء وأصحاب الحاجات، فنرى كيف رفعهم الله عنده. وبالذكر والدعاء: أن نُكثر من قول: "اللهم طهّر قلبي من الكبر والرياء وحب الظهور" . وبالاقتداء بالأنبياء: كلهم كانوا قممًا في التواضع، وامثلة ذلك من حياة الأنبياء لا تحصى .

فالكِبْر من أخطر أمراض القلوب التي ابتُلي بها الإنسان عبر التاريخ، إذ يحجب صاحبه عن الحق ويزرع في قلبه احتقارًا للآخرين، حتى يصير حجابًا بينه وبين الله تعالى. وقد اعتبره العلماء من المهلكات الكبرى التي تقود إلى الضلال والهلاك.  قال تعالى : (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)، وقال تعالى ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) وقال : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» .

وقد أرشدنا إلى ترك الكٍبْر لتزكو النفس وتربى على التواضع

فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ   قَالَ :" لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" . قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً . قَالَ : " إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ،  الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس "

قال الإمام النووي: "الكبر هو بَطَر الحقِّ وغمط الناس، ومعناه ردّ الحقّ معاندةً، واحتقار الناس وازدراؤهم"

وقال ابن حجر: "المراد بالكبر المذموم أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره في صفات الكمال، مع احتقار الآخرين" .

فالكِبْر إذن ليس مجرد شعور داخلي، بل هو سلوك قلبي وفكري يترتب عليه مظاهر خارجية: رفض الحق، والاستهزاء بالآخرين، والاعتزاز بالنفس على حساب غيرها .

وتطهر قلوبنا من تلك الجملة : عندما نكسر صنم الأنا، ونُسلم الأمر لله، ونرى أن كل إنسان هو امتحان لنا: قد يكون أضعف جسدًا، لكنه أقوى إيمانًا، وقد يكون أقل علمًا، لكنه أرحم قلبًا. وحين ندرك أن الفضل كله لله، لن يبقى في القلب مكان لتلك الكلمة التي أسقطت إبليس .

وعندما ندرك أن التفاضل الحقيقي ليس بما نملك من مال أو جاه أو قوة، بل بما نزداد به قربًا من الله، ونزداد به رحمةً بعباده.

وعندما نتعلّم أن المقام عند الله لا يُقاس بالمظاهر، وإنما بصفاء السريرة وصدق النية وحسن العمل .

وعندما نكفّ عن النظر إلى الناس بعيون الكبرياء، ونراهم بعيون التواضع والمحبة، فنعتبر كل لقاء فرصة للتزكية لا للسخرية والمفاخرة .

 

وعندما نؤمن أن كل إنسان يضعه الله في طريقنا يحمل رسالة لنا: إمّا تذكيرًا بنعمة، أو امتحانًا لصبر، أو درسًا في شكر .

عندها فقط، يسقط وهم التفضيل المزيّف، وتبقى حقيقة واحدة: أن أكرمنا عند الله أتقانا قال تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )

 

 

ترشيحاتنا