بين طاووس وزين العابدين «3 من 3»

علي حسن غلوم
علي حسن غلوم

بقلم : علي حسن غلوم - الكويت

 

جئت في العددين السابقين ببعض الملاحظات حول ما جاء في الحوار المروي بين التابعي الفقيه طاووس اليماني وبين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث قال: (رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو ويبكي في دعائه فجئته حين فرغ من الصلاة، فإذا هو علي بن الحسين ـ الإمام زين العابدين ـ فقلت له: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك من الخوف، أحدها: أنك ابن رسول الله، والثاني: شفاعة جدك، والثالث: رحمة الله. فقال: يا طاوس أما أني ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى يقول: [لا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ]، وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: [وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى]، وأما رحمة الله فإن الله تعالى يقول إنها قريبة [مِّنَ الْمُحْسِنِينَ]، ولا أعلم أني محسن).

نسب وشفاعة ورحمة:

في هذا الحوار يؤكد الإمام زين العابدين على أن المعيار الحقيقي للنجاة في الآخرة لا علاقة له بالنسب، ولو كان الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولا الأمل بالشفاعة إلا من خلال تأمين ما يستحق من خلاله الإنسان الشفاعة، وهو بلوغ مستوى من الإيمان والالتزام الديني بما يؤهله لنيل هذه الميزة، ولا تكرار قول أن الله غفور رحيم ليكون عذراً لنا في المزيد من التمادي في العصيان.

شفاعة النسب:

وقد دأب الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على التأكيد على حقيقة أن مجرد الانتساب للبيت النبوي لا يمثّل طوق النجاة، ومن تلك النصوص ما رواه ياسر الذي كان يخدم الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حيث قال: (خرج زيد بن موسى أخو أبي الحسن عليه السلام بالمدينة وأحرق وقتل وكان يسمى زيد النار، فبعث إليه المأمون فأسر وحمل إلى المأمون فقال المأمون: اذهبوا به إلى أبي الحسن، قال ياسر: فلما ادخل إليه قال له أبوالحسن: يا زيد أغرك قول سفلة أهل الكوفة: إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار؟ ذاك للحسن والحسن خاصة إن كنت ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة، وموسى بن جعفر أطاع الله ودخل الجنة فأنت إذاً أكرم على الله عزوجل من موسى بن جعفر، والله ما ينال أحد ما عندالله عزوجل إلا بطاعته، وزعمت أنك تناله بمعصيته فبئس ما زعمت . فقال له زيد: أنا أخوك وابن أبيك، فقال له أبوالحسن عليه السلام: أنت أخي ما أطعت الله عزوجل إن نوحاً عليه السلام قال: [رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ] فقال الله عزوجل [يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ] فأخرجه الله عزوجل من أن يكون من أهله بمعصيته).

كل سبب ونسب منقطع:

وأما المروي على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قال: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي) فترد عليه عدة ملاحظات، منها:

1ـ تعارضه مع النص القرآني: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (المؤمنون:101) وهذا ما استشهد به الإمام زين العابدين عليه السلام في الحوار الذي نناقشه.

2ـ أن ذكر عنوان (السبب) مع (النسب) يعني شمول عدم الانقطاع حتى لمن يصاهر البيت النبوي، ومن المعلوم أن هذا سيفتح الباب واسعاً بما لا يمكن الالتزام به.

الشفاعة لمن ارتضى:

إن تتبع موضوعة الشفاعة في القرآن الكريم يكشف عن أن التركيز الأكبر يتم على الجانب السلبي منها، وأن اهتمام الآيات انصب على معارضة فكرة الشفاعة بالصورة التي كانت مطروحة من قبل المشركين الذين كانوا يعتقدون أن أصنامهم تملك ذلك الامتياز، وأنهم يتقربون إليها بالعبادة والطاعة وتقديم القرابين لكي تكون لهم الحظوة عندها في تحقيق أمانيهم:

1. نفي الشفاعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة:254

2. نفي الشفاعة عن الشفعاء الوهميين الذين كان المشركون يدّعون لهم تلك الكرامة: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) الأنعام:94.

3. بيان عدم تأثير الشفاعة: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) البقرة:123.

4. لا شفاعة إلا بإذن الله ورضاه: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) البقرة:255. (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء:28.

وبالطبع فإن ما سبق لا يعني نفي الشفاعة في الآخرة بشكل مطلق، إذ أثبتت الآيات نحواً من الشفاعة ضمن قانون معين، يُختصر في التأكيد على سبق الإذن الإلهي والرضا الإلهي لأية شفاعة، وهذا يعني أن شفاعة الشافعين لا تتعارض مع الحكم الإلهي على عباده، بحيث يريد الله إنزال العقوبة بهم، فيتدخل الشفعاء ليغيّروا الإرادة الإلهية، ويحوّلوا الغضب الإلهي إلى رضا، بل إن الله سبحانه يحكم -وفق رحمته- باستحقاق فئات من الناس الشفاعة، وحينئذ يشفع الشفعاء فيهم وفق الإذن الإلهي المسبق لهم بذلك، ووفق معرفة الشفعاء بقانون الشفاعة ومعاييرها وشروطها التي وضعها الله سبحانه، وذلك تكريماً للشفعاء من جهة، وتحسيناً لأوضاع تلك الفئات، برفع درجاتهم في الجنة، ولربما في التجاوز الإلهي عن بعض ما ارتكبوه من معاصي، من جهة أخرى.

أحاديث حول الشفاعة:

وقد أكّد النبي وأهل بيته على ما سبق، فقد جاء في خطبة للنبي صلى الله عليه وآله قيل أنها آخر خطبة له: (أما إنه ليس بين الله وبين أحد من عباده شيء يعطيه به خيراً أو يدفع به عنه شراً إلا العمل، أما إنه لا ينجي إلا عمل مع رحمة. ولو عصيتُ لهويتُ). وروى أبوبصير قال: [دخلت على أم حميد أعزيها بأبي عبدالله) الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وهي زوجته (فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد، لو رأيت أبا عبدالله عليه السلام عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: اجمعوا لي كل مَن بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحداً إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفّـاً بالصلاة].

رحمة مشروطة:

وأما الأمر الثالث الذي ذكره الإمام زين العابدين عليه السلام، وهو عدم الركون إلى الرحمة الإلهية، فيضبطه مراعاة حدّ الاعتدال بين الخوف والرجاء، حيث لا يخرج الانسان من حُسن الظن بالله تعالى في خوفه حتى يعد من القانطين من رحمته، ولا يفرط في رجائه حتى يعد من الآمنين من عذابه، فيهمل أمر آخرته، ويتجرّأ على المعاصي، ويسوّف التوبة.

قال تعالى في وصف المؤمنين: (تتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) السجدة:16. وعن الإمام علي عليه السلام: (خير الأعمال اعتدال الرجاء والخوف). وعن الامام الصادق عليه السلام: (المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه وعمر قد بقى لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لايصبح الا خائفاً ولا يصلحه إلا الخوف).

 

 

 

ترشيحاتنا