حماية المال العام واجب والتعدى عليه جريمة

حماية المال العام واجب والتعدى عليه جريمة
حماية المال العام واجب والتعدى عليه جريمة

 

د. خليل صبيح: ضعف في الجبهة الداخلية وأثره يطال الاقتصاد والأمن

الشيخ محمد محمدي بدوي: الاعتداء عليه ذنب عظيم يُسأل عنه العبد

 

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".. فهذه الأمانة العظيمة، التي عصمت منها السموات والأرض، تضيع اليوم في مجتمعاتنا أموال هي في الحقيقة مال الله، وممتلكات هي في الأساس حق الأمة. ففي كل يوم، يرتفع فيه صوت المئذنة داعيًا للصلاة، تُهدر ميزانيات ضخمة، وتُخرب مرافق عامة، كان يمكن أن تكون عونًا للفقير، وملاذًا للمحتاج.

التحقيق التالى دعوة لصحوة الضمير، واستعادة لمفهوم الأمانة والمسؤولية الذي غاب عن الجميع. ونبحث عن إجابات شافية لأسئلة مؤلمة منها من المسؤول عن هذا الهدر؟ وماذا لو استُخدمت هذه الأموال الضائعة في بناء مستقبل أفضل لأبنائنا؟ وما هو موقف شرعنا الحنيف من هذه الظاهرة التي تهدد كيان مجتمعاتنا؟

 

يُعدّ إهدار المال العام وجهًا آخر للفساد، لا يقتصر على الرشوة والمحسوبية فقط، بل يتجلى في سوء التخطيط، وغياب المتابعة الفعالة، واللامبالاة التي تُكلّف الدولة والمجتمع خسائر فادحة. ففي العديد من القطاعات، تُنفَق أموال ضخمة على مشاريع وخدمات لا تُحقق العائد المرجو منها، أو يتم تجاهل صيانتها وتطويرها بشكل دوري، مما يؤدي إلى تآكلها وفقدان قيمتها بمرور الوقت. هذا الإهمال الصامت يُحوّل الاستثمارات التي كانت بالأمس أملًا للمواطنين، إلى عبء ثقيل على الميزانية العامة، ويزيد من الفجوة بين الأهداف التنموية المعلنة والواقع المرير الذي يعيشه الناس.

إن مظاهر هذا الإهمال لا تقتصر على المشاريع الكبيرة، بل تتسلل إلى أدق تفاصيل العمل اليومي في المؤسسات الحكومية. من ترك أضواء المكاتب مضاءة بعد انتهاء الدوام، إلى إهدار المياه في المرافق العامة، وصولًا إلى شراء معدات وأجهزة لا يتم استخدامها أو صيانتها بشكل سليم، مما يؤدي إلى تلفها بسرعة، وهذه الممارسات، وإن بدت فردية وبسيطة، إلا أنها عندما تتراكم وتصبح ثقافة عامة، فإنها تستنزف موارد الدولة وتُضعف من كفاءة الأداء الحكومي، وتُرسخ في أذهان المواطنين شعورًا بأن أموالهم تُصرف في غير محلها، مما يُقلل من ثقتهم في جهود التنمية.

لم يقتصر الإهدار على المشاريع الكبرى، بل وصل إلى كل ركن من أركان حياتنا اليومية. من تخريب دورات المياه في محطات القطار، إلى تكسير مقاعد الحدائق العامة، وكتابة عبارات مشوهة على جدران المدارس. هذه الظاهرة لا تُترجم فقط بخسائر مالية تُقدر بالملايين لإعادة الصيانة، بل هي أيضًا انعكاس لضعف الوازع الديني والأخلاقي. وفي مشهد مؤسف يتكرر، تتعرض القطارات على خطوط السكك الحديدية لأفعال تخريبية تتمثل في رشقها بالحجارة، مما يتسبب في تكسير نوافذها وإلحاق أضرار جسيمة بهياكلها. هذه الأفعال لا تكلّف الدولة أموالاً طائلة لإعادة الإصلاح فحسب، بل تُعدّ جريمة خطيرة تهدد سلامة الركاب وطواقم التشغيل. فكيف يمكن أن يتحول وسيلة نقل عامة، هي ملك للجميع، إلى هدف لأعمال عبثية قد تُزهق الأرواح وتُعرقل حركة السير؟

مثال حي من الواقع: في إحدى الرحلات الأخيرة على خط "القاهرة - الإسكندرية"، اضطر قطار إلى التوقف الاضطراري بعد أن تسببت حجارة في كسر نافذة إحدى العربات، مما أدى إلى إصابة أحد الركاب بجروح طفيفة وتأخير الرحلة لعدة ساعات. هذه الواقعة، وغيرها الكثير، تُسلط الضوء على حجم الاستهتار الذي يدفع البعض إلى ارتكاب مثل هذه الأفعال دون إدراك لخطورتها على الأفراد والمجتمع ككل.

ولم تقتصر هذه الظاهرة على وسائل النقل، بل امتدت لتشمل كل المرافق التي تخدم المواطن بشكل مباشر. ففي المدارس، نجد أن التخريب الذي يطال المقاعد والأبواب والأدوات التعليمية يفرض عبئًا إضافيًا على ميزانية التعليم، مما يقلل من جودة البيئة التعليمية. وفي المستشفيات الحكومية، نرى كيف أن إتلاف المعدات والأسرّة ودورات المياه يُعيق تقديم الرعاية الصحية اللائقة للمرضى، ويجعل من الصعب على الأطباء والممرضين أداء واجبهم. هذه التصرفات، سواء كانت متعمدة أو ناتجة عن إهمال، تُظهر بوضوح أن العلاقة بين الفرد والممتلكات العامة قد فقدت ركيزتها الأساسية: الاحترام والتقدير.

ويقدم الدكتور خليل صبيح، الخبير الاقتصادي، رؤية تحليلية شاملة لأبعاد هذه الأزمة، ويقول: أن الحفاظ على المال العام والممتلكات العامة هو "مسؤولية الجميع شعبًا وحكومة، وهو دلالة قوية على قوة الجبهة الداخلية في الحفاظ على الوطن". ويُحدد مجموعة من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، منها الفساد، وسوء الإدارة، واللامبالاة، ونقص الرقابة، وضعف الوعي العام.

يُوضح الخبير الاقتصادي أن إهدار المال العام ليس مجرد خسائر مالية، بل له آثار سلبية عميقة تطال قطاعات حيوية، ومن أبرزها الخسائر المالية وتدهور الخدمات العامة وزيادة العبء على المواطنين عبر زيادة الضرائب، بالإضافة إلى تأثيره على الاستثمار والأمن الاجتماعي وسمعة الدولة، مضيفا أن هذه الآثار السلبية تُشكّل حلقة مفرغة، فكلما تدهورت الخدمات بسبب الإهمال، زاد شعور المواطن باليأس وعدم الانتماء، مما يُقلل من حماسه للحفاظ على الممتلكات العامة، وهو ما يُعزّز من دورة الإهدار والتخريب.

لا يكتفي الدكتور صبيح بتشخيص المشكلة، بل يقدم خارطة طريق متكاملة للعلاج، تتمثل في عدة محاور أساسية، مثل تعزيز الرقابة والمساءلة، وتحسين الإدارة لضمان الكفاءة في استخدام الموارد، وزيادة الوعي العام عبر حملات توعية مكثفة، وتطبيق العقوبات على كل من يثبت تورطه، وتفعيل دور الإعلام لتسليط الضوء على هذه القضايا.

ويؤكد الشيخ محمد محمدي بدوي، إمام وخطيب مسجد الإمام الحسين بمحافظة السويس، على أن الله تعالى خلق للإنسان هذا الكون وسخر له كل ما فيه، ولهذا يعتبر "كل ما في الكون أمانة استودعها الله الإنسان، فعليه أن يحفظ هذه الأمانة ولا يخربها فهو مسؤول عنها أمام الله عز وجل". مضيفا أن "على الإنسان أن يحترم هذا الكون بما فيه من إنسان أو حيوان أو طير أو جماد"، مشيرًا إلى دور الفرد في حماية الممتلكات العامة مثل المستشفيات والمدارس والحدائق وغيرها.

وتناول الشيخ محمدي قضية المال العام، مؤكدًا أنه "ما كان مخصصًا لمصلحة عموم الناس أو لمصلحة عامة، وقد أمرتنا الشريعة بحفظه". وحذّر من عواقب التعدي عليه، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ رجالاً يتخوَّضون في مالِ الله بغير حقٍّ، فلهم النارُ يومَ القيامة". هذا التحذير الشرعي يؤكد أن المسألة تتجاوز حدود القانون لتصبح قضية ضمير ووازع ديني. ويُشدد الشيخ على أن الحفاظ على المال العام هو جزء لا يتجزأ من عبادة الفرد، فهو يخدم مصلحة الأمة، ويُعدّ شكلًا من أشكال التعاون على البر والتقوى. فالذي يُهدر المال العام أو يُخرب الممتلكات العامة هو في حقيقة الأمر يُلحق الضرر بالجميع، ويُضيع حقوق الفقراء والمحتاجين من أبناء هذا الوطن.

إن مشكلة إهدار المال العام وتخريب الممتلكات ليست قدرًا لا يمكن تغييره. إنها مشكلة مركبة تتطلب حلولًا متكاملة تبدأ من التوعية، وتمر عبر التشريعات الرادعة، وتنتهي عند صحوة الضمير الفردي. إنها دعوة إلى كل مسؤول أن يضع نصب عينيه قول عمر بن الخطاب: "لو أن بغلة في العراق عثرت لسألني الله عنها: لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟"، ودعوة لكل مواطن أن يدرك أن الحفاظ على ممتلكات وطنه هو جزء من دينه ووطنيته. فالحلول تبدأ من كل فرد في مجتمعه.

إن الطريق نحو الإصلاح يبدأ من المدرسة، حيث يجب أن تُغرس قيم الانتماء والمسؤولية في نفوس الأجيال الجديدة. ويستمر عبر الإعلام، الذي يجب أن يضطلع بدوره في نشر الوعي وتسليط الضوء على هذه القضايا بشكل مستمر. ويتكامل ذلك مع دور المساجد والمؤسسات الدينية في التأكيد على الجانب الشرعي والأخلاقي للمسؤولية تجاه المال العام. فالإصلاح الحقيقي لا يُبنى على القوانين والعقوبات وحدها، بل على ثقافة مجتمعية راسخة تُقدّس الأمانة، وتُعلي من شأن المصلحة العامة، وتُدرك أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو كيان نتحمل جميعًا مسؤولية بنائه والحفاظ عليه. هل نستعيد الأمانة الضائعة، ونعود إلى قيمنا ومبادئنا التي تحثنا على الخير والإصلاح؟

 

ترشيحاتنا