علينا دور كبير في المجتمع.. وأزمتنا في التأصيل والتوصيل
معظم ما ينكره المنكرون علينا نتاج جهل أو هوى
الذكر جهرًا وفي جماعة أجمعت الأمة على استحبابه
المنتمون الأدعياء أشد خطرًا من الأعداء الألداء
نتفق مع مخالفينا في بعض التجاوزات ونحاربها قبلهم
الطواف بالأضرحة والاختلاط في المجلس بدع لا تجوز
الحلول والاتحاد والأذكار الملغزة قضايا فلسفية ولغوية وليست صوفية
د. أحمد البصيلى الأزهرى.. باحث متمكن من أدواته العلمية وقدراته البحثية، فكيف لا؟ وقد أتم حفظ كتاب الله في العاشرة من عمره، وكان الأول على دفعته في معهد رشيد الأزهري، حيث تخرّج والتحق بكلية الدعوة الإسلامية، وواصل التفوق الدراسي، وتخرّج في جامعة الأزهر بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ليُعين معيدًا بكلية الدعوة الإسلامية.
وبنفس التقدير، حصل على درجة التخصص "الماجستير" في الأديان والمذاهب، ويواصل رحلته العلمية لينال العالمية "الدكتوراه" في تجديد علم الكلام وتوظيفه في الرد على الشبهات الفلسفية المعاصرة.
هذه القدرات العلمية والبحثية تمتزج بقدرات فريدة على التوصيل والتأصيل والتواصل، وهو مدافع رصين عن التصوف والصوفية، ولكن بمنتهى الموضوعية.
عندما بدأت معه الحوار، قلت له: إن هناك الكثير من الاتهامات والمآخذ عليكم، أقصد الصوفية، فرد بابتسامة ثقة: هات ما عندك.. مقدمًا ردودًا مؤصلة على ما طرحناه، ومعترفًا بمسالب للصوفية، وأن ما يتلقاه التصوف من أتباعه الأدعياء أخطر وأشد وطأة مما يلقاه من أعدائه الألداء، ومؤكدا في الوقت نفسه أن التصوف في صورته الحقيقية، هو البديل الوحيد للتطرف، وأن الخطاب الإسلامي الصوفي خطاب يتسع للجميع.. هذه النقاط وغيرها كانت موضوع الحوار مع د. أحمد البصيلي الأزهري، الذي تحمل السطور التالية نصه..
• بداية.. ما إن يذكر التصوف إلا ويذكر معارضوه مصطلحات كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود وغيرها، للتدليل على رفضه والتنفير منه.. فما هو التصوف؟ وما الرد على ارتباط هذه المصطلحات والأفكار به؟
التصوف ليس فرقة أو جماعة فالأمر يحتاج إلى تحرير محل النزاع.. فالدين عبارة عن ثلاث دوائر متداخلة، أولها الدائرة الكبرى وهي دائرة الإسلام بمكوناته الخمسة المعروفة، بداخلها دائرة الإيمان بمكوناته الستة، وبداخلها دائرة أخرى وهي زبدة خلاصة الدين وهدف الأهداف وغاية الغايات، وهي دائرة الإحسان، "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، والإحسان هو التصوف وهو التزكية، أو السلوك أو السير أو الاخلاق أو التربية أو الافتقار إلى الله.. سمه ما شئت من ذلك، فالتصوف بهذا المعنى لو حررنا محل النزاع يستحيل أن تجد أحدًا من المسلمين يختلف على بند واحد من بنوده أبدًا.
من هنا فإن ما يثار من نظريات وما يوجه لها من نقد، ليست من التصوف في شيء، فالكلام في الحلول والاتحاد، أو وحدة الوجود وغير ذلك، هو كلام فلسفي وليس صوفيًا، وكذا الأذكار الملغزة، هي كلام في اللغة، بل إن مسألة كزيارة الأضرحة، هي في الأساس قضية فقهية وليست صوفية، فالتصوف مقامات، وهي منازل السير إلى الله، وتبدأ بمقام التوبة ثم المراقبة والمحاسبة والمشاهدة إلى آخر المقامات، وهناك أحوال، وليس هناك مقام اسمه زيارة الاضرحة، هذا موضوع فقهي، وكذلك مثلا التوسل هو أيضا موضوع فقهي وليس من موضوعات علم التصوف.
امتثال الدين كله
• إذن لماذا ارتبطت هذه القضايا بالتصوف؟
لأن الصوفية يحاولون أن يمتثلوا كل الدين، لا أن يأخذوا جزءًا منه، فهناك من يعمل بجزء من الدين كالسلفية، ولو سألناهم مثلا.. ما حكم محبة آل البيت؟ سيقولون إنها واجبة وإنهم يحبون آل البيت، فإذا سألتهم عن زيارتهم، فإنهم يرفضونها، فما أمارة حبهم لآل البيت إذن؟! فالصوفية يريدون تطبيق الدين كله، بما فيه هذه المساحات التي فرغها غيرنا ونحن نملأها، فالصوفية يحاولون أن يطبقوا ما تيسر لهم من كليات وجزئيات الشريعة، بما فيها محبة سيدنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، ومحبة آل البيت والاجتماع لمجلس الذكر، ولما كان غيرهم لا يفعل ذلك، حسب العوام أنها تخص الصوفية مع أنها من صلب الدين.
• وهل الذكر الجماعى من صلب الدين؟
لا أقول فقط إنه من صلب الدين، بل إن الدين يذهب بذهابه، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبتغون مجالس الذكر، فإذا ما وجدوا مجلسًا يذكر فيه الله تنادوا للجلوس معهم، فإذا ما انتهى المجلس صعدوا بعمل أهل المجلس إلى الله، فالله يقول أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم، فالملائكة تقول يا رب فيهم عبدك الخطأ - أي مرتكب الخطيئة - فلان، إنما مر فجلس معهم، وفي رواية الإمام مسلم.. إنما أتى لحاجة - فالله يقول لملائكته: وله غفرت.. هم القوم لا يشقى بهم جليس"، كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يقول لنا، إن مجالس الذكر هي جهاز المناعة الذي يحمي الدين من التآكل، فمن أراد أن يرمم دينه فليقصد هذه المجالس، إذن فهناك اختلافات ينقمها علينا البعض وهي من صلب الدين، كالذكر جهرًا والذكر الجماعي.
العدد في الذكر
• لكن هناك أذكار للصوفية هي من المأثورات، وهناك التزام بأعداد معينة في الذكر، وهذا مما ينقمها عليكم الناقمون؟
هذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه أحد، فالذكر جهرًا أو جماعة أو بأعداد معينة، لا يسوغ لنا أن نختلف عليه، لأنه معمول به، فإذا أنكروا علينا الحضرة مثلا الذي يمكنك أن تسميها مجلس ذكر، فلا مشاحة في الاصطلاح، فالله تعالى يقول في الحديث القدسي: "من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" فلماذا تنقم علي في شيء الله دعاني إليه، وهناك مثال آخر.. الذكر عقب الصلوات أمر مندوب إليه شرعًا، فما المانع من الجهر به حتى يتعلمه الناس ممن لم يتعلم؟! وهذا وارد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مواقف كثيرة جدًا.
قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير.. قال العلامة ابن حجر العسقلاني: وفيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة. وقال الطبري فيه الإبانة عن صحة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء، فالذكر والدعاء الجماعي والتأمين عليه أمر مشروع في المسجد وفي غيره، على أي هيئة كانت، قيامًا أو قعودًا، وتبديعه في الحقيقة نوع من البدعة؛ لأنه تضييق لما وسعه الشرع الشريف، ومخالفة لما ورد في الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح وعلماء الأمة المتبوعين، فأكرر أن هذه مبالغات في الإنكار والنقمة على التصوف.
• وماذا عن الدعاء بغير المأثور وقضية العدد في الأذكار؟
هذه المرة.. وياللعجب.. سنستدل بابن تيمية، فقد أورد ابن القيم في مدارج السالكين، أن ابن تيمية كان له ورد غير مأثور وخصصه بوقت ورتب عليه فوائد، وهذا الورد كان يقرأه بين سنة الفجر وإقامة صلاة الفجر، ويقول: "يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث"، ويقول ابن تيمية إن من قرأه 40 مرة لم يمت قلبه يوم تموت القلوب، ويقول ابن القيم أيضًا، إن ابن تيمية كان إذا أغلق عليه في فهم مسألة، له دعاء يردده كثيرًا حتى يفتح عليه في فهمها، فكان يقول: "اللهم يا معلم آدم علمني ويا مفهم سليمان فهمني"، وهو دعاء لم يرد في كتاب ولا سنة، وأقول إجمالا إن إنكار المنكرين ونقمة الناقمين هي نتاج جهل أو هوى.
تصحيح المسالك
• هناك مؤاخذات أو نقد يوجهه تحديدًا السلفيون لبعض مسالك الصوفية، فهل من جهود لتصحيح هذه المسالك أو حتى الرد على تلك الانتقادات؟
أولا: هذه المؤاخذات التي يرددها السلفية أو الوهابية بعضها نتفق معهم فيها، فنحن لا نختلف على وجوب تنقية الصوفية من بعض المخالفات ونحاربها قبلهم، مثل الاختلاط في المجالس والموالد، ومثل عدم التزام كمال الأدب عند الزيارة، ومثل الطواف بالقبور أو الاضرحة التي أؤكد أنها بدعة، والسجود وإن كان للتعظيم فإن الشريعة تحرمه لأنه لا سجود إلا لله، وكذا رفع الصوت وعدم الانضباط عند الزيارة، كل ذلك نرفضه ونحاربه من قبل أن يتحدث به السلفية أو الوهابية، ولا ننتظر أن يلفتوا أنظارنا إليه، ولا أن يقيمونا أو يقومونا، ف لدينا نقد ذاتي ممتد على مر الزمن، لكل المخالفات التي يمكن أن تصدر من المنتمين للتصوف.
• هل هذا النقد أمر مستحدث من الدعاة الصوفيين أم أن هناك جهودًا قديمة في هذا الشأن؟
دعني أقول لك إن أول مؤلف متكامل بصبغة أكاديمية في علم التصوف هو كتاب "الرسالة" لأبي القاسم القشيري المتوفى سنة 465 هجرية، وفي هذا المصنف نجد في أول صفحة فيه، يقوم أبو القاسم بالنقد الذاتي ورصد المخالفات والبدع التي يرتكبها أو يقع فيها بعض الصوفية، ثم مرورًا بالشيخ زروق صاحب كتاب "عدة المريد الصادق" ينقم فيه أشد النقمة على المدعين، وينص على أن الضربات التي يلقاها التصوف من أتباعه الأدعياء أشد وألد من التي يلقاها من أعدائه الأشداء الألداء، فالنقد الذاتي للتصوف من أتباعه متواصل.
والنقد الذاتي لمسيرة التصوف لا يتوقف عند هذا السلوك وفقط، إنما يتناول النظريات أيضا كالكلام في وحدة الوجود والحديث عن ختم الولاية بالمعنى المطلق والأذكار الملغزة التي قلنا سابقا إنها قضايا فلسفية ولغوية لا ارتباط لها بالتصوف.
تجديد الخطاب الديني
• هل أسهم – أو يمكن أن يسهم – التصوف في تجديد الخطاب الديني؟
أنا أعتبر أن الصوفية هم حملة لواء التجديد دون غيرهم، وأن الخطاب الذي يتسع للجميع هو الخطاب الصوفي، فالخطاب السلفي خطاب إقصائي تقوقعي يتكلم مع الذات ولا يتفاعل مع الواقع ولا يخدمه، لكن الخطاب الصوفي خطاب يشمل الجميع، يخدم الواقع وليس عبئًا عليه، وهو يسع الجميع، فالصوفية لا ترفض أحدا من المسلمين أو من غير المسلمين، كما أنه خطاب فيه الهدوء وانكسار النفس، فكل إنسان يرى نفسه فيه، لكن ينقصه التأصيل والتوصيل، بمعنى رد كل سلوك معتبر إلى أدلته الشرعية، والتوصيل بامتلاك أدوات عصرية لتوصيل خطابه للمسلمين، لأنه لا بديل للتطرف إلا التصوف، لأنه منهج يجمع بين الأبدان والوجدان والروح والجسد والقلوب والعقول.
• أخيرا.. ما أبرز الأزمات التي يواجهها التصوف الآن؟
الحقيقة أن التصوف يعاني الآن عدة أزمات، أبرزها الخروج عن المنهج عند البعض، فهناك مجالس ذكر تأتي بأساليب ترفضها النفس السوية، كالتراقص بشكل غريب ومريب، وهناك اختلاط مرفوض، وعدم احترام للمجلس، والصخب في استخدام الآلات الموسيقية في المديح.
لكن إذا كان الواقع الصوفي فيه أزمات أو أنه مأزوم ، فهو ليس حجة على المنهج الصوفي، بل العكس هو الصحيح، فالمنهج الصوفي هو الحجة على واقعة، تمام كما أننا لا يمكن أن نحاكم الإسلام على واقع المسلمين.



