لكلية الشريعة والقانون دور رائد في مجال الفتوى
نسعى إلى تأهيل الطالب علمياً لتمكينه من سوق العمل
تجديد الخطاب الديني ضرورة لمواكبة متغيرات العصر
حوار: خالد السيد
أكد د. عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن الهجرة النبوية غيرت مجرى التاريخ من خلال التأكيد على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، ووضعت دستوراً للعلاقات الإنسانية للتآخي بين المسلمين وغيرهم. كما أنها قدمت عدداً من الدروس المستفادة تعلمنا حسن التوكل على الله والأخذ بالأسباب.
وأشار إلى أن كلية الشريعة والقانون تضطلع بدور مهم في حقل العلوم الشرعية والقانونية، من خلال دراسة الطلاب الشاملة لعدد من المواد التي تؤهلهم لسوق العمل في مجالات مختلفة، منها الإفتاء. موضحاً أن الطالب خلال دراسته بالكلية يخضع لتدريب عملي داخل المؤسسات الرسمية المعنية بالفتوى لاكتسابه مهارات علمية تمكنه من ممارسة الإفتاء في الحياة العملية بعد التخرج.
وإليكم نص الحوار:
• بداية، حديثنا عن الدروس والعبر من الهجرة النبوية الشريفة؟
الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت درساً في التخطيط البشري، الذي اجتمع مع التأييد الإلهي، فرسخت حب الأوطان في النفوس، ووضعت دستوراً للعلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم، وأكدت دور المسجد في توثيق العلاقة مع الله، وأهمية الصحبة الصالحة في حياة المؤمنين.
كما أنها غيرت مجرى التاريخ، وأرست مبادئ المواطنة والحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وأكدت ضرورة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، في إنجاح أي عمل.
• كيف رسخت الهجرة النبوية حب الأوطان؟
حب الأوطان من أهم الدروس المستفادة من رحلة الهجرة النبوية، وذلك نراه في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف على أطراف مكة، وهو مهاجر، قائلاً: «ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»، وفي هذا خير دليل على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفائه لوطنه الذي ولد فيه.
وبعد أن وطئت قدمه صلى الله عليه وسلم أرض المدينة المنورة، سأل ربه أن يحببها إليه، وأن ينزل عليه فيها السكينة والطمأنينة والأمن والأمان، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد»، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل في قلبه المحبة الصادقة والوفاء للوطن في مكة المكرمة أولاً، ثم لوطنه الثاني المدينة المنورة.
عناصر الهجرة
• من المعلوم أن الهجرة النبوية جمعت بين التأييد الإلهي والتخطيط البشري في معنى الأخذ بالأسباب، وضح لنا ذلك؟
الأخذ بالأسباب عبادة واجبة، والنبي صلى الله عليه وسلم طبق هذه السنة في الهجرة تطبيقاً عملياً، إذ خطط للمهمة جيداً على الرغم من يقينه أن الله كافيه وأنه سيكون معه ولن يتركه لنفسه ولا لأحد من خلقه، ولكن ليكون ذلك درساً للأمة أن حسن التخطيط من دعائم التوكل على الله.
وكان كل عنصر من عناصر الهجرة مدروساً بعناية فائقة: التوقيت المناسب للخروج كان مختاراً بعناية حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وقت الظهيرة، حيث جميع الناس في قيلولة، ثم خرجا وسلكا طريقاً غير مألوف، وبقيا في غار ثور ثلاثة أيام حتى تهدأ ثورة الباحثين عنهم.
واتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع عامر بن فهيرة راعي الغنم لعمل "التمويه"، على تبديد آثار النبي وصاحبه بأغنامه، لكي لا يتبعهم المشركون، واتخذ عبدالله بن أريقط "دليل الهجرة الأمين" وخبير الصحراء البصير، ليصطحب ركب الهجرة من غار ثور إلى المدينة.
كل ذلك ليعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلاله درساً رائعاً في الأخذ بالأسباب، باعتبارها أمراً ضرورياً وواجباً في حياة المسلم وسنة من سنن الأنبياء، وكونه من علامات حسن التوكل على الله والرضا بقضائه وقدره. فليس معنى الرضا بالقضاء والقدر أن نضعف أمام المحن أو أن نستسلم لليأس، ولكن عين الرضا هو التوكل على الله والأخذ بالأسباب.
الصحبة الصالحة
• قدمت الهجرة أفضل نموذج لتحقيق معنى الأخوة الإنسانية لنشر قيم المحبة والسلام، بين لنا ذلك؟
نعم، لقد آخى صلى الله عليه وسلم خلال الهجرة المباركة بين المهاجرين والأنصار، فأصبحت هذه الوثيقة رمزاً للأخوة الإيمانية الصادقة التي تُعد ركيزة من الركائز ومحوراً أساسياً يمثل أمة واحدة. ثم قام باختيار الصحبة الصالحة، ولم يشهد التاريخ الإنساني قديماً وحديثاً مثالاً لذلك أروع مما حدث من الصديق أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة وغيرها.
فقد كان يعلم أن الرحلة مكابدة وإجهاد، وليست ذهاباً لعيش رغيد، بل كان يعلم أن أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم مطارد ومعرض لشتى أنواع المخاطر. وبرغم ذلك كان شغوفاً بالصحبة، ودمعت عيناه فرحاً حينما سمع من فم النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (الصحبة يا أبا بكر). وسخر نفسه وماله وأولاده في سبيل تلك الصحبة، فجعل نفسه فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أول لحظة، وأوقف ماله كله لها، وجعل ابنه عبدالله في قلب الخطر يراقب ما يُحاك في مكة للنيل من الرسول الكريم وصاحبه.
حيث كان يمسي لديهما عندما كانا في الغار، ويصبح عند قريش لجمع الأخبار. كما كلف ابنته أسماء رضي الله عنها بإعداد الطعام وإيصاله لهما في الغار، فحفظت السر وشقت نطاقها لتضع فيه طعامهما. فكانت عائلته كلها في سبيل الله وهجرة رسوله صلى الله عليه وسلم.
القضايا المعاصرة
• ما الدور الذي تضطلع به كلية الشريعة والقانون في مجال الفتوى والعلوم الشرعية؟
كلية الشريعة والقانون لها عطاء علمي ذو أثر بالغ في حقل العلوم الشرعية والقانونية ومواكبة العصر، وذلك باستخدام التقنيات الحديثة والعمل على ربط الماضي بالحاضر باستخدام التقنيات المتطورة في إيجاد الأحكام الشرعية للقضايا المعاصرة.
• وكيف يتم تأهيل الطلاب للفتوى؟
تأهيل الطلاب لهذه المهمة يبدأ من خلال دراستهم للعديد من المواد المتخصصة، والبحث العلمي الأكاديمي بالكلية، وهو برنامج تعليمي يدرس فيه الطالب مجموعة مواد متمثلة في اللغة العربية، والفقه وأصوله، والقضايا الفقهية المعاصرة والحديثة، واللغة الأجنبية، بالإضافة إلى العلوم غير التخصصية المفيدة للخريج إذا عمل في غير مجاله.
كل ذلك يتم بهدف تأهيل الطالب للعمل في الوظائف المعنية بالعلوم الشرعية والمعاهد الأزهرية، وعمل المأذونية، والإفتاء والوعظ والخطابة، وغيرها من الوظائف الأخرى.
• هل هناك تدريب عملي للطالب على الفتوى خلال دراسته بالكلية؟
بالفعل هناك تدريب عملي تحرص الكلية على توفيره للطالب خلال دراسته بالكلية، حتى يتقن الدارس فنون الفتوى، ويستطيع ممارستها بعد تخرجه إذا تم اختياره لذلك.
ويتمثل تدريب الطلاب خلال الدراسة عن طريق ورش التدريب داخل أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الوعاظ والمفتين، ولجنة الفتوى بالأزهر، كما أن هناك تدريبًا آخر يحصل عليه الطالب بدار الإفتاء، وذلك من خلال بروتوكول تعاون بين الأوقاف، ودار الإفتاء، وأكاديمية الأزهر، ومجمع البحوث؛ وذلك لاكساب الطلاب خبرات عملية تمكنهم من ممارسة الإفتاء في الحياة العملية بعد ذلك.
الخطاب الدينى
• كيف تُثمّن جهود الدولة بعد القانون الأخير الذي قَصَر الفتوى على الأزهر ولجان الفتوى بالأوقاف؟
يجب في هذا الشأن أن نتوجه بالشكر للرئيس السيسي لتبنيه مبادرة "من له حق الفتوى"، وللقانون الأخير الذي قَصَر الفتوى على الأزهر والأوقاف، بعد فوضى الفتاوى التي شهدتها الساحة مؤخرًا والمتاجرة بها.
وقضية الفتوى شائكة، وكان لابد من تدخل الدولة للحد من هذه الظاهرة، فالمتخصصون وحدهم من لهم الحق في ذلك - وهم دارسو الشريعة الإسلامية، والحاصلون على دورات تدريبية معتمدة، والمجازون من المؤسسات الدينية الرسمية، مثل هيئة كبار العلماء بالأزهر، وأكاديمية الأزهر، وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء، ولجان الفتوى بوزارة الأوقاف.
• كيف يتم الربط بين تجديد الخطاب الديني والفتوى؟
الفتوى متعلقة بالناس، فلا بد أن تكون ملائمة ومناسبة ومتجددة بما يناسب القضايا التي تعالجها. وما قاله السابقون كان صحيحًا بالنسبة لفتاويهم المرتبطة بقضايا عصرهم التي لم تعد موجودة في زماننا.
والفتوى المتجددة تصلح لقضايانا، وربما لا تصلح للأزمنة المستقبلية، مثل القوانين التي يتم تعديلها حسب الزمن. لذلك نقول: إن الفتوى متغيرة بتغير الأشخاص والمكان والزمان والأحوال، وبالتالي هي مرتبطة بتجديد الخطاب الديني؛ لأن تجديده ما هو إلا إزالة لما أصاب التراث الإسلامي من شوائب دخيلة - وليس هدمه - مع تسليط الضوء على صحيح الإسلام. وهذا واضح في الفقه الإسلامي من خلال اختلاف الآراء وتناوله للقضايا المستجدة بصفة دائمة، وهو ما يُسمى "تجديد الفقه بالفقه".
رصد الشبهات
• من وجهة نظركم كيف نصحح المفاهيم المغلوطة؟
تصحيح المفاهيم لا بد أن يتم من خلال العلم والتوعية الجادة، ونشر الدراما المفيدة والجادة لدورها المهم في تشكيل العقول، مع رصد الشبهات والرد عليها بالوسائل والآليات نفسها التي تُثار بها، وكذلك تفعيل القوانين.
كما أن كلية الشريعة والقانون لها عطاء علمي ذو أثر بالغ في حقل العلوم الشرعية والقانونية، وذلك باستخدام التقنيات الحديثة، والعمل على ربط الماضي بالحاضر، وتسليط الضوء على الدور الذي قامت به التقنيات الحديثة في إيجاد الأحكام الشرعية للقضايا المعاصرة.



