فى زماننا هذا، حيث تتكالب الأمم، وتضيع الهوية، وتتشظى القلوب بين الغربة والانكسار، نحتاج أن نعود إلى مدرسة الهجرة، لننهل من معانيها ما ننهض به من جديد.
يقول الشيخ أحمد فتح الله « الخطيب بالأوقاف و باحث ماجستير بكلية دار العلوم «لم تكن الهجرة فرارًا من واقع أليم، بل كانت تقدمًا نحو التمكين، وهروبًا بدين الله ليعلو، لا لينجو فقط. ترك النبى صلى الله عليه وسلم مكة، موطنه، وعشيرته، وكل ما هو مألوف، لا لأجل ذاته؛ بل ليحمل الرسالة إلى أرض تحتضنها وتصونها وتقاتل لأجلها.
والسؤال: كم من العاملين لدين الله اليوم يضحون براحتهم، بمكانتهم، بشبكات علاقاتهم، لأجل أن يعيش الدين كما أراده الله؟
لقد آن لنا أن نعيد مفهوم «النصرة» من مجرد تعاطف وجدانى إلى موقف عملي، يتحرك فيه المرء حيث يُرضى ربه، لا حيث يُرضى هواه.
هجرة النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن عشوائية، بل سبقها تخطيط دقيق: دار الأرقم للتربية، بيعة العقبة للتأسيس السياسي.،اختيار أبى بكر رفيقًا، وعبد الله بن أريقط دليلًا.،المبيت فى الغار، والتوقيت الليلي، وتمويه الاتجاه.
فقه الواقع
وهنا الدرس: الأمة اليوم تعانى لأن كثيرًا من العاملين للإسلام ينطلقون بعاطفة مجردة، دون تخطيط ولا رؤية ولا فهم للسنن.
لابد من جيل يُتقن فقه الواقع كما يُتقن فقه النصوص، ويُربى نفسه على الصبر لا الانفعال، والبناء لا النقض.
مكة أحب البلاد إلى قلب النبى صلى الله عليه وسلم، لكنه هاجر عنها؛ لأنه مُنع فيها من إقامة الدين.قال صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت» لكن المدينة صارت بعد ذلك «طيبة»، وصارت الأرض التى نصر الله فيها دينه.
الهجرة ليست نهاية الطريق بل بدايته حين دخل النبى المدينة لم يبدأ الراحة، بل بدأ مشروع الدولة:المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.بناء المسجد.وضع دستور المدينة.
التجهيز للغزوات ورد العدوان. فكثيرون يتصورون أن الهجرة أو التوبة أو الالتزام هى النهاية. لكنها فى الحقيقة بداية طريق الكفاح. فالحق يحتاج إلى رجال يبنونه، لا متفرجين يتغنون به.
فى كل لحظة من الهجرة كان الله مع نبيه :فى الغار: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وفى التخطيط: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) وفى المدينة: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ فمهما اشتدت المحن وعلت رايات الباطل، فالله معنا ما دمنا مع دينه .كل خطوة تُبذل فى سبيله تُبارك، وكل دمعة فى جوف الليل تُسمع، وكل صبر على الأذى يُؤجر.
ختامًا: لسنا مطالبين بالهجرة الجغرافية كما فعل الصحابة، لكننا مأمورون بالهجرة القلبية والسلوكية:
أن نُهاجر من الذنوب إلى الطاعة من التبعية إلى العزة من التبلد إلى التغيير من الانهزام إلى الثقة بنصر الله.قال النبى صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (رواه البخاري).
فلنجعل من ذكرى الهجرة وقودًا لهجرة جديدة… نحو الله، نحو مشروع الأمة، نحو عزةٍ قد طال انتظارها.



