بعد حصوله على جائزة الصحافة العربية..

سامح اللبودي: الصحافة أكسبتني خبرة كبيرة في العمل الأكاديمي

د. سامح اللبودي
د. سامح اللبودي

بين جدران كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، انطلقت شرارة حلم صحفيّ لم يكن مألوفًا وسط زملاءٍ كانوا يتجهون نحو الترجمة التقليدية أو السياحة، لكن د. سامح اللبودي، ذلك الشاب الطموح، اختار مسارًا غير معتاد، أن يدمج الصحافة بالعمل الأكاديمي، ليرتقي لاحقًا إلى مصاف الصحفيين الاستقصائيين الحاصلين على جوائز دولية، أبرزها "جائزة دبي للصحافة العربية".. في هذا الحوار، نغوص معه في مسيرته، نتعرف على مخاطر التحقيقات، والدروس المستفادة من تجربته.

في البداية.. أحكى لنا عن رحلتك في الصحافة ؟

في الحقيقة، رحلتي مع الصحافة بدأت قبل الجامعة، وتحديدًا منذ المرحلة الإعدادية. جدي — رحمه الله — كان من القلائل في قريتنا الذين يحرصون على شراء الصحف اليومية مثل "الأهرام" و"أخبار اليوم"، وكان والدي أيضًا يحرص على شراء المجلات الأسبوعية خاصة "روزاليوسف". ورغم أن مجتمعنا كان بعيدًا عن التعليم الرسمي، فإن هذا الجو المحيط بالقراءة أوصل إليّ حب الصحافة مبكرًا، وكنت أقرأ الجريدة بشغف، وكأنني تلميذ في مدرسة صحفية، ثم بدأت أتابع الإذاعة وأتخيل المشهد بالكلمات، حتى صارت الصحافة حلمًا، وكنت أطمح لدخول كلية الإعلام، لكن في ذلك الوقت لم تكن متاحة بجامعة الأزهر، فالتحقت بكلية اللغات والترجمة، قسم اللغة اليونانية، ولم يكن هذا هو اختياري الأول، لكنني قررت أن أحول الترجمة إلى منصة لخدمة شغفي الأول وهو الصحافة.

العمل الأكاديمى

ما أولى خطواتك العملية في العمل الصحفي؟

في أول سنوات الجامعة بدأت في مزاولة الصحافة فعليًا، فالتحقت بمنصة "جود نيوز" ومجلة "العالم اليوم" عام 2005، وبفضل الله ثم الاجتهاد، كنت غالبًا الثاني على دفعتي في كل سنوات الدراسة بالكلية، وهو ما فتح لي لاحقًا باب العمل الأكاديمي، في الوقت ذاته كنت أعمل صحفيًا في "دار المعارف" وشاركت مع قنوات تلفزيونية، وعندما جاءتني فرصة التعيين كمعيد بالجامعة، وجدت نفسي بين خيارين: الاستمرار في الصحافة الميدانية أو الاتجاه إلى العمل الأكاديمي، وكان القرار صعبًا، لكن بعد مشاورات مع الأهل والزملاء اقتنعت أن العمل الأكاديمي لا يتناقض مع العمل الصحفي، بل يكمله، خاصة عندما نتحدث عن صحافة استقصائية تحتاج إلى منهجية بحثية دقيقة.

يبدو أن انشغالك بالعمل الأكاديمي لم يقطَعك عن الصحافة، بل عزّزها.. كيف حققت هذه المعادلة؟

بالفعل، الصحفي الحقيقي يحتاج إلى دقّة البحث ومهارات التحقق، وهي عناصر لا تُكتسب بسهولة إلا في بيئة أكاديمية، هذه البيئة منحتني أدوات التحليل، والتوثيق، وفهم السياقات العميقة للموضوعات، وهو ما يجعل العمل الصحفي أكثر عمقًا وتأثيرًا، خاصة إذا كان هذا النوع من الصحافة هو "الاستقصائية"، والتي تحتاج إلى جهد مضاعف من أي صحفي.

باب شرق

الخطوات الأولى في عالم الصحافة كيف كانت، ومنذ متى بدأت العمل بالصحافة الاستقصائية؟

كنت صحفيًا ميدانيًا، أغطي المظاهرات والفعاليات، أجلس بالساعات أمام مكاتب المسئولين، أحيانًا حتى الليل. تعلمت أن الصحافة ليست وظيفة مكتبية، بل حرفة ميدانية. كان هدفي دائمًا تقديم مادة صحفية حقيقية، لا مجرد خبر عابر.

أما عن الصحافة الاستقصائية، فقد بدأت العمل بها عام 2013، وكان أول تحقيق كبير لي هو "باب شرق"، الذي نُشر تلفزيونيًا وفاز بجائزة الاتحاد الأوروبي، لكن التحقيق الأهم بالنسبة لي كان بعنوان "الإبحار الأخير لمركب ملح سيئ السمعة"، والذي تابعته من خبر صغير عن غرق مركب في اليونان، واعتمدت على المصادر المفتوحة، ثم تواصلت مع الناجي الوحيد من الحادث، الشاب المصري أحمد بركات. حديثه كان مفتاحًا رئيسيًا في إعادة بناء القصة.

ما العقبات التي واجهتك أثناء إعداد هذا التحقيق؟

العقبة النفسية كانت الأثقل، لأن التعامل مع أسر الضحايا يتطلب جانبًا إنسانيًا قبل أي شيء، نحن لا نكتب عن بُعد، بل نعيش المأساة معهم، كان من المهم أن أراعي كلماتهم، وأنقل مشاعرهم بأمانة دون استغلال أو إثارة.

ثم تأتي الصعوبات التقنية والقانونية: التدقيق في الوثائق، التأكد من بيانات السفن، مواجهة التصريحات المتناقضة من جهات رسمية، كانت كل معلومة تمر على "فلتر" صارم من التدقيق والتحقيق.

الجهات الرقابية

هل أحدث هذا التحقيق "الإبحار الأخير لمركب ملح سيئ السمعة" تغييرا فعليا وأثرا ملموسا؟

نعم، ساعد في كشف فساد شركات الشحن، خاصة تلك التي تشتري مراكب متهالكة وتبحر تحت أعلام دول تُعرف بالتحايل البحري، وبعض السلطات بدأت فعليًا تفعيل قوانين جديدة، منها تحديد عمر السفن واشتراطات السلامة، التحقيق لم يكن مجرد وثيقة صحفية بل محفّزًا لتغيير حقيق.

تحقيق استقصائي من هذا النوع ربما يعرضك لمخاطر، هل واجهت أي تهديدات مباشرة أو غير مباشرة؟

لم أتلقّ تهديدات مباشرة، والحمد لله، لكن البيئة الصحفية بطبيعتها مليئة بالتحديات، والتعامل مع ملفات شائكة مثل هذا التحقيق "الإبحار الأخير لمركب ملح سيئ السمعة" يتطلب شجاعة وصبرًا طويلًا، وأن تكون مستندًا دائمًا إلى دليل، ويبدو أن الجهات الرقابية استندت على التحقيق في اتخاذ قرارات مثل إيقاف شركة الشحن المسئولة عن المركب، والمسؤولية موزعة بين "هيئة السلامة البحرية" ونقابة الضباط البحريين المدنيين، هذه النقابة تمثل الطواقم وغالبًا ما تكون الصوت الوحيد لهم.

كما أن الشركة توقفت عن العمل وغادر مسئولوها مصر، لكن لم تُفعّل مسائلات قانونية حقيقية بسبب غياب الضحايا في الحادث الأخير. كان هناك تراكم سابق، لكنه لم يصل إلى مستوى الدعوى القضائية.

الصحافة العربية

حصلت على جائزة الصحافة العربية في دبي ماذا عن هذه الجائزة وتأثيرها؟

الجائزة تمثل دافعًا كبيرًا، ليس لي فقط، بل لاسم الأزهر كمؤسسة. لكنني لا أنظر إليها كمكافأة بقدر ما أراها مسؤولية، أريد أن تظل الصحافة الأزهريّة عنوانًا للنزاهة والاحتراف، كما أنني أعمل حاليًا على تحقيق دولي يتعلق بقضية كبرى، بالتوازي مع تطوير فيلم وثائقي عن تحقيق تاريخي نشرته عن خروج الأجانب من مصر في الخمسينيات.

كيف يمكن للأزهر كمؤسسة دينية هي الأكبر في العالم أن يعزز صورته في الإعلام ويسوق لها ؟

الأزهر يحتاج إلى استراتيجية إعلامية تسلط الضوء على علمائه وشبابه في مختلف المجالات كالطب، اللغات، الرياضة، والبحث العلمي.. والتسويق لا يعني الظهور الباهت، بل البناء الحقيقي على الإنجاز.

ماذا عن تجربتك في اليونان كباحث أزهري وصحفي استقصائي؟

حصلت على الدكتوراه من جامعة أثينا في العلوم السياسية، واللجنة كانت مكونة من سبعة أساتذة، أحدهم قال لي: "أنا أعطيك الامتياز لأنك أزهري"، وهذا التصريح كان مؤثرًا جدًا، لأنه يعكس قيمة الأزهر حتى خارج الإطار الديني، وكانت تجربتي هناك غنية جدًا، مع أن المجتمع هناك لديه تصورات سلبية عن الإسلام، لكن المعاملة كانت مفتاح التغيير، وقد رأيت كيف أن الصورة الذهنية تتغير عندما يراك الناس في موقف وليس في خطاب، فنحن بحاجة إلى خطاب سلوكي وليس دعوي فقط.

ما النصيحة التي توجهها لطلاب الإعلام والترجمة؟

الاستعانة بالله أولاً، ثم الاجتهاد، والاهتمام بالمحتوى لا المظاهر، وأقول لهم لا تنبهروا بالشبكات والعلاقات فقط، بل اسألوا أنفسكم: ماذا تعلمت؟ ماذا أنجزت؟ فالإتقان هو مفتاح النجاح، حتى إن لم تكن هناك جائزة، فالنية الصادقة وحدها تُكسب الرضا.

 

ترشيحاتنا