صبح الذكاء الاصطناعى أداة احترافيه لا يمكن الاستغناء عنها، بسبب إنجازه الكثير من المهام الصعبة فى شتى المجالات، وتطبيقاته المتطورة التى تحقق نتائج إيجابية فى غاية الدقة.
ولعل من الأمور المهمة التى يضطلع بها هذا الذكاء إمكانية محاكاة العقل البشرى التى أصبحت أمر غير مستحيل أمام هذه الآلة الجهنمية، التى تنجز الأمور بكفاءة عالية دون أى جهد بشري.
وكان نداء الرئيس السيسى بضرورة تدريس مواد الذكاء الاصطناعى كمادة إلزامية بالمناهج الدراسية، بمثابة الضوء الأخضر، لزيادة عدد كليات الذكاء الاصطناعى داخل الجامعات الخاصة والحكومية، حتى يستطيع شباب اليوم ورجال المستقبل أن يكونوا على وعى تام بأمور عصرهم وما يستجد من تطورات، تسهم فى زيادة الإنتاجية.
قول د. أحمد أبوزيد، أستاذ مناهج وطرق التدريس، بتربية عين شمس، إن توجيهات الرئيس السيسى بزيادة عدد كليات الذكاء الأصطناعي، وحث الطلاب على الألتحاق بها، يؤكد حرص الرئيس على المضى قدمًا نحو التميز فى صناعة الذكاء الاصطناعى لتعزيز دور مصر كمساهم فاعل على الساحة الدولية، كما أن إدراج الذكاء الاصطناعى كمادة إلزامية فى المناهج التعليمية خطوة تعكس رؤية القيادة السياسية المستقبلية لإعداد أجيال تكون قادرة على التفاعل مع أدوات العصر الحديث، مما يعزز من قدرة الدولة على إعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل الرقمي
أداة محورية
ويضيف د. أبو زيد أن الدولة تراقب عن كثب تحولات الثورة الصناعية الرابعة وتعمل على مواكبتها، وأن الذكاء الاصطناعى أصبح أداة محورية فى تطوير الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية، وأنه لا يمكن الحديث عن العمل على تنمية بشرية شاملة دون تعزيز المهارات الرقمية، وبالتالى يصبح لدينا أصحاب التفرد المهاري، ومن ثم يصبح هناك استعداد فطرى وجاهزية لدى شبابنا فى أن يكونوا موجودين ومؤثرين فى مسار المنافسة فى سوق العمل على المستويين المحلى والدولي.
ويؤكد أبو زيد أن المناهج التعليمية التى تستهدف خبرات توظيف الذكاء الاصطناعى فى المجالات المتعددة والمتنوعة، تجعل الطلبة قادرين على الإنتاجية، والعطاء المستدام، وتُوَلِّد لديهم طموحات بدون حدود وتطلعات لا نهاية لها، فى الإعمار وإضافتهم لحضارتهم، التى يستمدون منها إرثهم الثقافى بما فيه من قومية اللغة، والتمسك بالقيم النبيلة، والخلق الفضيل القويم، والعادات الحسنة، التى يتبادلونها جيلًا بعد جيل.
مخاوف استخدامه
وفى السياق نفسه تقول د. ملك أحمد مدرس علم الاجتماع بجامع عين شمس، إن هناك مخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعى فى العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأن هذه المخاوف هى مخاوف أخلاقية تتعلق بالخصوصية والتعامل المسؤول مع المعلومات الحساسة، وأنه لا بد من وجود توازن بين التقدم التكنولوجى والاعتبارات الأخلاقية، لأن بعض خوارزميات الذكاء تعتبر صناديق سوداء تثير تحديات فى فهم وتفسير قراراته، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعى يعتمد بشكل كبير على كميات هائلة من البيانات، والتى غالبًا ما تكون شخصية وحساسة، الأمر الذى يجعل الأفراد يفصحون دون قصد عن معلوماتهم الشخصية لأنظمة الذكاء، مما قد يُوقعهم فريسة للاستغلال والابتزاز.
وتوضح أنه على الجانب الإيجابى فإن الذكاء الاصطناعى قد يسهم فى تحسين القدرة على التعامل مع الأشخاص مهما اختلفت ثقافاتهم؛ كالتعامل مع العملاء الأجانب فى العمل، أو التعرُّف إلى أصدقاء جُدد من مختلف الجنسيّات؛ وذلك من خلال قدرته على التعرُّف إلى وجهات النظر المختلفة، وفهم الثقافات فهماً أفضل؛ ممّا يُؤدى إلى المزيد من التعاون بين الأشخاص من ذوى الخلفيات المختلفة، فهو بذلك يوفر الأسس العلمية للتعامل مع العقبات والمشكلات الاجتماعية التى قد تنشأ نتيجة للتطور التكنولوجي، مشيرة إلى أهتمامه كذلك بدراسة تأثير التكنولوجيا على المجتمع والتفاعلات الاجتماعية والثقافية.
وتبين د. ملك أن هذا المجال يعد متعدد التخصصات، حيث يجمع بين مفاهيم الاجتماع والتكنولوجيا والعلوم الحاسوبية لفهم تأثير الذكاء الاصطناعى على السلوك الاجتماعى والديناميكيات الاجتماعية، كما أنه يسعى إلى فهم كيفية تفاعل البشر مع التكنولوجيا الذكية والروبوتات والواجهات الاصطناعية، وكيف يؤثر ذلك على العلاقات الاجتماعية والتفاعلات بين البشر والآلات، ويهدف المجال أيضًا إلى دراسة التحديات والمشكلات الاجتماعية التى تنشأ نتيجة التطور السريع للذكاء الاصطناعي، مثل التوظيف والاقتصاد والقرارات السياسية.وأضافت أن دراسة علم اجتماع الذكاء الاصطناعى أصبحت من الضرورة بمكان لفهم تأثير التكنولوجيا الذكية على المجتمع وتشكيل مستقبلنا.
حضور قوى
ويؤكد د. حسين السيد، أستاذ علم النفس بأداب كفر الشيخ، أن الذكاء الاصطناعى فى علم النفس فرض حضوره بقوة فى عالم التقنية والحياة اليومية كأحدث الابتكارات بوقتنا الحالي، وأصبح وسيلة مستخدمة على مدى واسع فى دراسة النفس البشرية، واعتمد الخبراء على استخدامه لتحليل العقل البشري، وكيفية تعامله مع المعلومات والتركيز والذاكرة وغيرها من الجوانب المعرفية الأساسية.
ويقول د. السيد إن هناك تحولات كبيرة فى المجال التربوى عند الجمع بين الذكاء الاصطناعى وعلم النفس التربوي، يمكن أن تتحقق، حيث يمكن تجهيز الكمبيوتر والآلات الذكية ببرامج خاصة لتدريس المواد الدراسية وتحليل أداء الفرد وتوفير النصائح اللازمة للتطوير، مما يساعد فى تطوير قدرات الطلاب وزيادة نسبة النجاح فى الدراسة، وقد أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعى فى تطور علم النفس وظهر فى عدة أبحاث جوانب كثيرة، منها تشخيص المشاكل النفسية والعصبية بطريقة فعالة وسريعة، وبالتالى تحسين العلاجات النفسية، بالإضافة إلى تحليل أنماط السلوك الإنسانى والتنبؤ بالأفعال المستقبلية، وأيصًا مساعدة الإنسان فى تحسين الذاكرة وتنمية القدرات الإدراكية والحصول على أفضل نتائج ممكنة فى العمل والحياة العامة، مما يساهم فى تحسين المعيشة والحياة الاجتماعية والمهنية للإنسان.
ليس محرما
ومن جانبه يوضح د. يوسف شعراوى أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الذكاء الاصطناعى فى ذاته ليس محرمًا حين يتم استخدامه فى الخير، مثل تسجيل المحاضرات الدراسية، أو فى مجالات البحث العلمي،فهذا أمر لا بأس به، مؤكدا أن الشرع يدعو إلى العلم والتقدم، ومراعاة التقنيات الحديثة بما يفيد المجتمع، وإذا تم استخدام هذه التقنية فى غش أو تدليس، كدمج صورة شخص على جسم آخر أو التلاعب بالصوت، فإن ذلك يُعد محرمًا.
ويؤكد د. شعراوى أنه بالرغم من تعدد استخدامات الذكاء الاصطناعى فى مجالات أخرى، إلا أنه لا يمكننا أن نعتمد عليه فى تفسير النصوص الشرعية، وذلك كون هذه النصوص لاتحتمل الخطأ، وتقنيات الذكاء الاصطناعى قد تؤدى إلى أخطاء فى نقل الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية، مما يتسبب فى تحريف المعانى الدينية، وبالتالى فمن الأهمية مراجعة المعلومات التى يقدمها الذكاء الاصطناعي، خاصة فى الأمور الدينية.
أداة مساعدة
ويحذر د. أحمد شوقى أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من الاعتماد الكلى على الذكاء الاصطناعى أو الإنترنت فى تفسير آيات القرآن الكريم أو استخراج الأحكام الشرعية، مؤكدًا أن هذه المسائل لا يصح الخوض فيها إلا من قبل أهل العلم المتخصصين.
ويوضح أمين الفتوى أن الذكاء الاصطناعى من السهولة بمكان أن يقدم معلومات خاطئة ولا توافق المنهج العلمى الذى استقر عليه علماء الأمة، وبالتالى فإنه لا يجب الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى تفسير القرآن الكريم أو بيان الأحكام الشرعية إلا من خلال متخصص يفهم ويقيّم ما يُقدَّم له من معلومات، لأن الذكاء الاصطناعى لا يفرز بنفسه بين الصحيح والمغلوط، بل هو مجرد أداة تجمع معلومات من مصادر متعددة على الإنترنت، منها ما هو موثوق، ومنها ما هو غير موثوق.
وأضاف أنه لا مانع أن يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة أو تمهيدية، لكن لا بد من مراجعة عالم موثوق للتأكد من صحة الفهم. والذكاء الاصطناعى لا يُغنى عن فتوى المتخصص.



