أ.د/ علي جمعة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد؛؛
ففي طريق السالكين إلى الله سبحانه وتعالى، يبقى الحج أرفع العبادات وأغناها بالإشارات، ليس لأنه جمع أركان الإسلام فحسب، بل لأنه رحلة قلبية تحمل العارف من نفسه إلى ربه. وكان الحكيم الترمذي – رحمه الله- من نخبة العلماء الذين انشغلوا بالمعاني الروحية للعبادات، وقد اختار –رحمه الله- أن يكشف لنا ما وراء الأفعال (الأسرار والمعاني والمقاصد القلبية) لهذه العبادات.
ففي كتابه الحج وأسراره أوضح الحكيم معنى الحج بكونه:"الهجرة الكبرى من النفس إلى الله"، فبداية تبيانه لمعنى الحج نرى أنه ليس مجرد تفسير مناسك، بل مرآة لعالم العارفين، حيث يتحول النسك إلى حضور، والحركة إلى معنى.
واستهل – رحمه الله- الكلام عن الحج بالإحرام حيث عرفه بإنه: "نزع الهوية البشرية" فبدأ الترمذي من الإحرام، الذي يراه تجريدًا رمزيًا للنفس فـ"الإحرام موت اختياري، وتجرد من زخارف الدنيا، والحاج حين يُحرم، يخلع ذاته لا ثيابه فقط".
فيخلع الإنسان لباسه المخيط، ويصير في لباس يشبه الكفن، هذا إشارة إلى التخلي قبل التحلي، وإلى العودة إلى الحالة الأولى التي لا تميز فيها إلا بالنية.
وأوضح معنى التلبية بإنها:" استجابة لنداء ما قبل الخليقة، فحين يلبي الحاج، فهو لا يجيب فقط نداء إبراهيم، بل نداءً قديمًا في عالم الأرواح" وبهذا فإن الحكيم الترمذي يربط بين التلبية وميثاق الأخذ المذكور في سورة الأعراف في قوله تعالى:" ألست بربكم؟".
وحقيقة التلبية أنها نداء المحبة، فيه يجيب العبد: بلى، وإن كانت الجوارح تقول: لبيك.”
فالتلبية إذن تجديد للعهد، وإقرار بمحبة أولى كانت قبل الزمان.
وعن الطواف يجيء بيانه بأنه:" دوران الروح حول الحبيب" فالطواف، في فهم الترمذي، ليس طوافًا بالجسد حول بيت، بل طواف الروح حول وجه الله، تمامًا كما تدور الكواكب حول الشمس، تدور القلوب حول المحبوب الذي لا يرى.
فالبيت مثال، والحبيب هو المقصود، لا ينظر الله إلى دوران البدن، بل إلى شوق القلب.
وقدر الطواف سبعة أشواط، يراها الترمذي في صورة رمزية لطهارة النفس عبر سبع مراتب، من النفس الأمارة إلى النفس الكاملة.
وعن تقبيل الحجر الأسود هي في الحقيقة تعني:" مصافحة الأزل"، وللحجر الأسود عند الترمذي مكانة عجيبة، فهو لا يراه حجراً عادياً، بل لساناً باقياً من الغيب:
"الحجر يمين الله في الأرض، يقبّله من قبّل العهد الأول".
إنه شاهد على العهد، ميثاق قديم بين الله وعبده، وتجديد للمحبة الغائرة في روح الإنسان.
وعن السعي بين الصفا والمروة يراه" سعي المحب بين الخوف والرجاء" فالسعي – في رؤية الترمذي – هو القلق الروحي للمحب الباحث عن أثر الحبيب، فليس مجرد حركة، بل رمز للحيرة المقدسة:" من سعى وهو ساكن القلب، فقد خاب، ومن سعى وهو مضطرب شوقاً، فقد أدرك".
وعن السعي بين الصفا والمروة فهما ليسا جبلين فقط، بل حالتين: "الصفاء والمرارة، والخوف والرجاء"، والسالك يتذبذب بينهما حتى يلقى ماء الرحمة، كما فعلت السيدة هاجر عليها السلام.
وعن الركن الأكبر وهو الوقوف بعرفة الذي هو:" وقوف القلب لا الجسد" فعند الترمذي، الوقوف بعرفة هو وقوف قلب بين يدي الله، كما نقف يوم القيامة:"من عرف الله في عرفة، عرفه في كل أرض، ومن غفل في هذا الموقف، فما عرفه قط".
والوقوف رمز للمكاشفة، ولعرض القلب على نور الله، حيث هنالك تسقط الأسماء، ويثبت وجه واحد وهو: "وجه الحق".
أما ركن رمي الجمرات فطبقا لرؤية الحكيم هي:" رمي ما بقي من النفس" فيرى-رحمه الله- أن الشيطان الذي يُرمى بالحجارة، يسكن داخل النفس، لا خارجها. والرمي ثلاثي، لأن العوائق ثلاثة:
1- الكبر.
2-الشهوة.
3-الغفلة.
فـ:"من رمى الجمرة ولم يرم نفسه، فما رمى" دلالة على التطهر الداخلي والصفاء الوجداني حيث التحرر من بقايا الهوى، وتصفية القلب لمواجهة النور الإلهي.
أما نسك الذبح فهو:" ذبح ما تحب لأجل من تحب" فالذبح عند الترمذي فعل رمزي كما فدى الله إسماعيل، يُفدي الله قلب السالك إذا صدق في الفداء ويقول في هذا:"لكل عبد إسماعيل، من لم يقدّمه قرباناً، لم يذق مقام الفداء". فالذبح هنا هو التخلي عن أعز ما في النفس، حتى تُصفّى المحبة.
ويختتم الحكيم المناسك بطواف الوداع الذي يعني:" وداع الشكل لا الحقيقة".
وبهذا يوصي في نهاية كتابه بقوله:"ودّعوا الكعبة، ولا تودّعوا من سكن الكعبة في قلوبكم".
فالكعبة قد تُفارق، أما الحبيب فلا، وهذا لبّ الطريق:" أن تبقى دائمًا في حج القلب، وإن عدت إلى دنياك".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



