بقلم: د. محمود هادي الشيخ
تمثل الثورات الكبرى في حياة الأمم محطات فارقة يُعاد فيها رسم مسار التاريخ، ولم تكن ثورة الثلاثين من يونيو في مصر مجرد حراك شعبي عابر، بل كانت انتفاضة وعي جماعي واستردادًا حاسمًا للهوية الوطنية المهددة.
لقد جاءت هذه الثورة في لحظة تاريخية حرجة لتضع حدًا لحالة من السيولة السياسية والاضطراب المجتمعي، مؤذنة بانتقال صريح من مربع الفوضى والشتات إلى آفاق الاستقرار البنيوي وبناء الدولة الحديثة.
اقرأ أيضا| الإجازات القرآنية بين الأمانة الدينية والاستثمار المالي
استرداد الهوية وحماية الدولة من التفكك
قبل الثلاثين من يونيو، كانت المؤشرات السياسية والاجتماعية في مصر تنبئ بمنزلق خطير؛ حيث عانت مؤسسات الدولة من محاولات التغلغل والهيمنة، وتراجع مفهوم المواطنة الشاملة لصالح اعتبارات أيديولوجية ضيقة، مما هدد السلم المجتمعي، وأحدث انقسامًا رأسيًا في نسيج المجتمع.
جاء الخروج الشعبي المليوني ليعلن رفضًا قاطعًا لتغيير هوية الدولة الوسطية، ويمثل مظلة شرعية انحازت إليها القوات المسلحة والمؤسسات الوطنية لحماية الأمن القومي. ومن هنا، لم تكن الثورة وسيلة لتغيير نظام سياسي فحسب، بل كانت طوق نجاة صان كيان الدولة المصرية من سيناريوهات التفتت والانهيار التي طالت دولًا عديدة في المنطقة.
من الفوضى إلى الاستقرار
إن الانتقال من الفوضى إلى الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج استراتيجية وطنية شاملة ركزت على عدة محاور أساسية:
• تثبيت أركان الدولة: إعادة الهيبة للمؤسسات الدستورية والقضائية والتنفيذية، وتفعيل سلطة القانون كقاعدة أساسية للاستقرار.
• المقاربة الأمنية الشاملة: تجفيف منابع الإرهاب وتأمين الحدود، مما وفر بيئة آمنة للمواطنين ولحركة الاقتصاد.
• الإصلاح الهيكلي والاقتصادي: إطلاق مشروعات قومية عملاقة في البنية التحتية، والطاقة، والنقل، وتأسيس مجتمعات عمرانية جديدة، مما جعل مصر وجهة جاذبة للاستثمار بعد سنوات من الركود.
بناء الإنسان وصياغة "الجمهورية الجديدة"
لم يقتصر مفهوم الاستقرار الذي أرسته الثورة على الجانبين الأمني والاقتصادي، بل امتد ليشمل العمق الاجتماعي والثقافي. تجلى ذلك في إطلاق مبادرات رئاسية قومية تُعنى ببناء الإنسان المصري، وفي مقدمتها مبادرة "حياة كريمة" لتطوير الريف، والتي تُعد أضخم مشروع اجتماعي في تاريخ مصر الحديث لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير العيش الكريم للملايين.
إن "الجمهورية الجديدة" التي نراها اليوم هي الثمرة الحقيقية لوعي الثلاثين من يونيو؛ وهي جمهورية تقوم على مفاهيم المواطنة، وتكافؤ الفرص، وتحديث التعليم، والتمكين الفعلي للمرأة والشباب في مفاصل الدولة وإدارتها.
الوعي مستمر والعمل متواصل
إن ثورة 30 يونيو ستظل في الضمير الوطني رمزًا لانتصار الإرادة الشعبية الخالصة. ولعل الدرس الأبرز الذي نستلهمه اليوم هو أن الحفاظ على مكتسبات الاستقرار يتطلب استدامة الوعي، والالتفاف حول المشروع الوطني البنّاء.



