بقلم: محمود فوزي
تواجه الأوطان في مسيرتها نحو البناء والتنمية تحديات جسيمة، بعضها مادي يسهل التعامل معه وإعادة إعماره، وبعضها الآخر معنوي يستهدف الهوية والوعي، وهو التحدي الأصعب والأخطر.
إن تخريب المنشآت والمباني، على فداحته وخسارته المادية، يمكن تعويضه بالمال والجهد والوقت، أما تخريب العقول وتغييب الوعي فهو الهدم الحقيقي الذي يهدد كيان الدولة.
إن الإشكالية الكبرى تظهر عندما يُستهدف عقل المواطن بالتغييب، فيعجز عن إدراك حقيقة اقتصادية بسيطة، وهي أن ممتلكات الدولة هي في الأصل ممتلكاته هو. فكل مدرسة، ومستشفى، وقطار، أو مرفق ترفيهي ورياضي، لم يُبنَ من فراغ، بل شُيِّد من أموال دافعي الضرائب، ومن عرق هذا الشعب ومقدرات الوطن. وبالتالي، فإن استباحة التخريب المتعمد لمنشآت الدولة ليست مجرد خسارة للحكومة، بل هي اعتداء مباشر من المواطن على ماله الخاص، وتبديد لفرص عيش أفضل كان يمكن أن تُوجَّه إليها تلك الأموال لتطوير خدمات أخرى يحتاجها المجتمع.
المشهد الصادم: ما حدث في العاصمة الإدارية نموذجًا
لقد تجسدت خطورة تخريب الإنسان وغياب وعيه في المشهد المؤسف والصادم الذي شهدته العاصمة الإدارية الجديدة عقب مباراة مصر ونيوزيلندا، حيث أقدمت فئة من الجماهير على تكسير وتخريب وتدمير المكان المخصص لمشاهدة المباراة.
إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه تحت بند "الحماس الكروي" أو "انفعال لحظي"، بل هو مؤشر خطير يدل على غياب الوعي والانتماء الوطني لدى هؤلاء. أن يقوم شخص بتدمير صرح أُسس بأموال بلده ليخدمه ويخدم أسرته، فهذا دليل على أن العقل قد تم تخريبه أولًا، مما أدى بالضرورة إلى تخريب السلوك المادي في الواقع.
خارطة الطريق: كيف ننقذ عقول أبنائنا؟
إن الوعي هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، وعلى الدولة بكافة مؤسساتها أن تنتبه بشدة، وأن تستنفر لمحاربة من يريد تخريب عقول أبنائها. فلا يكفي أن نضع الحراسات على المباني، بل يجب أن نزرع الحارس والرقيب داخل عقل كل مواطن، من خلال:
• التقويم الحاسم: تفعيل القانون بصرامة ضد أي اعتداء على المال العام، ليعلم الجميع أن للمنشآت حرمة، وأن من يعتدي عليها ينال جزاءه.
• التوعية المستمرة: تطوير المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي؛ ليركزا على مفهوم المواطنة الرقمية والواقعية، وشرح كيفية إدارة مقدرات الدولة، وأنها ملك للشعب.
• التحفيز وصناعة القدوة: فتح مساحات حقيقية للشباب لتفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي، وتحفيز المتميزين منهم؛ ليكونوا نموذجًا يُحتذى به في البناء والانتماء.



