إعداد: بسملة خلف
لازلت على عدائي للصهيونية ولكني مسلم أحترم الأديان السماوية
المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي له آراء مطلقة في فهم الدنيا ورصد حركة الفكر الإنساني.. ورغم تحفظنا على بعض آرائه الدينية إلا أنه مازال أحد أبرز رموز الفكر الإسلامي في الوقت الحالي. وكثير المفكرين الذين يرصدون الفكر الغربي ويفضحون دعاوى أمريكا للسيطرة على مقدرات الشعوب..!
وفي لقائه مع رواد معرض القاهرة الدولي للكتاب أجاد الرجل كشف الفكر المادي الغربي الذي يقتل جل القيم الروحية.
وأضاف جارودى أن هذا المفهوم يقوم على ثلاث فرضيات، قالها مفكرون وفلاسفة غربيون، وهم ديكارت الذى قال علينا أن نكون أسياداً للطبيعة، وتلك الفرضية أوصلتنا إلى ما نعانى منه من تلوث للبيئة واستنفاد للثروات الطبيعية وهى خسائر جسيمة تهدد البشرية كلها.
والفرضية الثانية ما قاله الإنجليزى هوبس أن الإنسان ذئب بالنسبة للإنسان، وكان من نتائج تلك الفرضية هذا الاختلال الكبير بين الشمال الغنى حتى التخمة والجنوب الفقير إلى حد الجوع
والفرضية الثالثة التى قالها الفرنسى مارلو، سوف يصبح الإنسان قديراً ويحل محل الله فى العالم، وهذا الزعم أدى إلى الكفر بكل القيم الروحية والإحساس بأن هناك من ينظم الحركة ويمنح الثواب ويقيم العقاب، ومن نتائجه التحول إلى تحكم شريعة الغاب والفوضى والعنف المنتشر فى كل مكان بالأرض.
قدرات الإسلام
ويسأل المفكر العالمى المسلم روجيه جارودى سؤالاً: إذا كانت تلك نتائج هذه الفرضيات الثلاث فماذا عن الإسلام؟ ويجيب أن الإسلام لا يستطيع أن يستعيد قدرته وسيادته على النحو الذى كان عليه عند بداية الرسالة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفى عصر الخلفاء الراشدين ما لم يستعد مبادئه الخاصة، ولا أقصد بها تكرار صيغ الفقهاء الراحلين والمحاكاة التقليدية للماضى، ولكننى أعنى ممارسة الوسائل المبدعة فى الظروف الحالية، ففى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ الصحابة الراشدين خميرة جاهزة تسمح للمسلمين بالأخذ منها والإبداع من خلالها بما يجعلهم غير محتاجين لتقليد الغرب أو حتى محاكاة ماضيهم.
خلط
ويشير جارودى أن هناك خطأ كبيراً فى تناول الفكر الإسلامى حيث نخلط دائماً بين الشريعة والفقه، فالشريعة ليست مدونة فى حين أن %٩٥ من آيات القرآن تتحدث عن الإيمان والتفكر والتطور، فكيف نختزل الشريعة فى ٥ % من آيات القرآن الكريم ونترك الباقى؟!
إن الإسلام ليس مخزناً للحلول الجاهزة لكل المشكلات وإنما هو موجه للفكر ليبتكر حلولاً لمشكلات عصره.
فهل كان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقضى فى مسائل الطاقة الذرية أو الشركات متعددة الجنسيات؟!
مبادئ القرآن
ويؤكد جارودى أن القرآن الكريم ليس كتاباً فى القانون وإنما يضع من خلال آياته القوانين الكلية والمبادئ الأخلاقية التى تنطلق من خلالها وتضع لكل عصر ما يتجاوب مع مشكلاته من الحلول فمثلاً فى السياسة تجد كلمة - الشورى، ولم يحدد الإسلام شكلاً أو هيئة لها أو طريقة لممارستها.
كذلك أبرز كلمة فى القرآن عن الاقتصاد هى كلمة - الربا - ولم يقصر القرآن مفهوماً واحداً لها.
ولعل هذه المرونة هى التى سمحت للفاروق عمر بن الخطاب أن يعمل على ما يظنه البعض مخالفة للآيات الواضحة وأظنه فهماً نافذاً لجوهر الآيات وجوهر تعاليم الرسول.
ويسوق جارودى مثالاً لذلك قائلاً أبرز مثال لذلك من سيرة عمر بن الخطاب هو إلغاء نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة وقد حدد القرآن أن لهم منها نصيباً ذلك أن عمر قد رأى أن الإسلام أصبح قوياً ولا يحتاج المسلمون لدفع أموال لتأليف القلوب حول دينهم.
ويضيف جارودى أن نهضة الإسلام واستعادته لأمجاده لا يمكن ان تقوم على نبش الماضى والسير على دربه، ولا على استدعاء اسباب الخلاف والتفرق، وانما يمكن ان ينهض باستعادة معايير الابداع من خلال الاسلام، واستعادة معيار التعاون بين المسلمين والعدالة الاجتماعية ومعيار الجماعة والوحدة، والحب والروحانية.
ويضيف استطيع ان اجزم ان اركان الاسلام الخمس تجمع فى جوهرها تلك المعايير، فالصلاة هى حالة من الصفاء والروحانية والزكاة من اهم معايير العدالة الاجتماعية، والصوم معيار للارادة والاحساس بالغير، والحج معيار للجماعة والتوحد.
مداخلات
وقد اجاب المفكر المسلم روجيه جارودى على العديد من الاسئلة والمداخلات للحشد الغفير من جماهير معرض الكتاب.
وقال ردا على سؤال حول المواجهة الثقافية بين الاسلام والغرب:
نعم سوف تحدث المواجهة ولكن هناك مفهوم لابد من تغييره فاذا كان المقصود بالغرب هو اوربا فلا مواجهة ولكن الغرب فى رايى هو امريكا، لان اوربا الآن اصبحت مجرد مستعمرات امريكية بل ان المواجهة فى ظنى ستكون بين امريكا واوربا نفسها.
وعن رأيه فى مصطلح العولمة الذى يتردد الآن قال روجيه جارودى:
انه تلاعب بالالفاظ والاصح ان يسمى الأمركة وليس العولمة فان المقصد الحقيقى منه هو السيادة المطلقة للثقافة والتجارة والصناعة الأمريكية، ومن نتائج هذا الفكر انهناك ٤٥ مليون شخص يموتون سنويات فى العالم بسبب نقص الغذاء والدواء حيث اختل ميزان العدالة الاجتماعية بشكل كبير فى العالم ليس بين الدول فقط ولكن أيضا بين أفراد المجتمع الواحد وهو ما أكده الرئيس الأمريكي نفسه حينما أقر بأن ١ % من الامريكان يملكون ٥٠ % من الثروة الأمريكية.
كما أن هناك ٦ ٪ فى فرنسا يملكون ٩٤ % من الثروة الفرنسية.
الصهيونية
وردا على سؤال حول تمسكه برأيه فى الأساطير الاسرائيلية رغم ماتعرض له .
قال جارودى نعم لازلت متمسكا برأيي الذي نشرته بعد بحث علمى مطول ورغم القضية المرفوعة ضدى والتي حكم على فيها بالسجن سنة مع ايقاف التنفيذ بتهمة معاداة السامية ، واحب ان اوضح ان هناك فرقا كبيرا بين الصهيونية التى كشفت عن اساطيرها وادعاءاتها وبين الديانة اليهودية فاننى معاد للصهيونية ولكننى مسلم احترم اليهودية كدين سماوى ومن المدهش ان تتحدث رئيسة وزراء اسرائيل السابق جولدا مائير عن أرض الميعاد وتقول انها ارض وعدنا بها الله بينما تؤكد أنها ملحدة فأى اله الذى يعد من لا يؤمنون به بأى ارض .
وأؤكد أن الوعد كان من ملك كنعان لقبيلته . ولم يسجل حراس الحدود المصريون أى عبور للعبرانيين فى البحر الأحمر فهل من الطبيعى أن ينسى أولئك الحراس الذين سجلوا عدد الحيوانات التى عبرت تلك الحدود وينسون عبور ٦٠٠ الف شخص !!
اليست هذه اسطورة مفضوحة ؟ فكيف اتراجع عن كشفها ؟ !
الشيشان
وعن الحرب الدائرة الآن فى الشيشان اكد المفكر العالمى المسلم روجيه جارودى ان الروس يحاربون فى الشيشان من اجل البترول . ومن السذاجة ان ننتظر تدخلا امريكيا فى هذه الحرب .
واوضح ان الاسلام لم يكن غزوا عسكريا وانما فتحا وانفتاحا وتقديرا لكل الأنبياء والرسل ، والعودة الى النبع الصافى ليست عودة للماضى وانما لايجاد فكر متميز لمواجهة القرن الواحد والعشرين .
تابع اللقاء: العارف بالله طلعت ـ محمود عيسي تم نشره بتاريخ الخميس 5 من ذي القعدة 1420هـ ، 10 من فبراير 2000 م



