بقلم: د. مكرم النبراوي
استشاري التربية والصحة النفسية، ومدير عام الخطة والمنهج للتعليم بقطاع المعاهد الأزهرية
في صباح يوم الامتحان، تبدو المدرسة مختلفة عن أي يوم آخر؛ الوجوه أكثر جدية، والخطوات أسرع، والساعة تتحول فجأة إلى شخصية رئيسية في المشهد. وعلى الرغم من أن الجميع يظنون أن الامتحان يخص الطالب وحده، فإن الحقيقة أن هناك ثلاثة أشخاص يخوضون الامتحان في الوقت ذاته: طالب يجلس خلف مقعده، ومعلم يقف داخل اللجنة، وولي أمر ينتظر خارج أسوار المدرسة.
الطالب هو الوجه الأكثر وضوحًا في الصورة؛ يحمل معه أشهرًا من الدراسة، وساعات من المراجعة، وأحلامًا صغيرة وكبيرة يضعها بين سطور ورقة الأسئلة. قبل بدء اللجنة بدقائق، تتصارع في ذهنه عشرات الأفكار: هل ستكون الأسئلة من المتوقع؟ هل سيتذكر ما حفظه؟ وهل تكفيه ساعات الامتحان لإثبات ما يعرفه؟ وفي تلك اللحظات لا يكون التحدي الحقيقي هو المعلومات فقط، بل القدرة على إدارة التوتر والسيطرة على القلق حتى لا يسرق جزءًا من مجهوده.
اقرأ أيضا: أزمة الإنسان قبل أزمة التعليم
لكن داخل اللجنة يقف شخص آخر يعيش امتحانًا مختلفًا؛ المعلم المراقب. كثيرون يرونه مجرد حارس للنظام، بينما الحقيقة أن دوره أعمق من ذلك بكثير؛ فالمراقب هو أول من يقرأ ملامح القلق على الوجوه، وأول من يلاحظ ارتجافة اليد قبل استلام ورقة الأسئلة، وأول من يدرك أن بعض الطلاب يحتاجون إلى الطمأنينة أكثر مما يحتاجون إلى أي شيء آخر.
إن نجاح المراقب لا يُقاس بعدد محاضر الغش التي يحررها، بل بقدرته على توفير بيئة عادلة وهادئة يشعر فيها كل طالب أن الفرصة متاحة له كاملة دون خوف أو ارتباك. فطريقة توزيع الأوراق، ونبرة الصوت عند إلقاء التعليمات، وسرعة التعامل مع المشكلات الطارئة، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تصنع فارقًا كبيرًا في نفسية الطلاب.
أما خارج المدرسة، فيجلس ولي الأمر متفاعلًا مع امتحان من نوع آخر؛ لا يحمل قلمًا ولا يجيب عن أسئلة، لكنه يعيش دقائق الانتظار وكأنها ساعات. يتابع بشغف عقارب الساعة، ويتخيل دراما ما يحدث داخل اللجنة، ويقاوم رغبته العنيدة في الاتصال بابنه أو ابنته فور انتهاء الامتحان ليسأل السؤال التقليدي: "عملت إيه؟". وهنا يظهر الفرق بين الدعم والضغط؛ فبعض الكلمات تمنح الطالب طاقة للمواصلة، بينما قد تضاعف كلمات أخرى من شعوره بالقلق والإرهاق.
ولعل أجمل ما تكشفه فترة الامتحانات أنها ليست مجرد وسيلة لقياس التحصيل الدراسي، بل مرآة تعكس نضج الجميع؛ فالطالب يتعلم تحمل المسؤولية، والمعلم يمارس أمانته المهنية في أبهى صورها، وولي الأمر يتدرب على الصبر والثقة.
وحين تنتهي اللجنة ويُغلق بابها، لا تكون أوراق الإجابة وحدها قد امتلأت، بل تكون هناك دروس أخرى قد كُتبت بصمت: درس في الانضباط، ودرس في تحمل الضغوط، ودرس في التعاون بين البيت والمدرسة.
ولهذا، فإن الامتحانات لا ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها موسمًا للخوف، بل باعتبارها فرصة لإظهار أفضل ما لدى الجميع. فحين يؤدي الطالب واجبه، ويؤدي المعلم رسالته، ويؤدي ولي الأمر دوره بحكمة، يصبح النجاح أكثر من مجرد درجات في شهادة؛ يصبح تجربة تربوية متكاملة تترك أثرها في الشخصية قبل أن تظهر في النتيجة.



