لم يعد البحث عن شريك الحياة يبدأ بطرق الباب أو سؤال الأهل والجيران، بل قد يبدأ اليوم بضغطة زر، ورسالة عابرة، وصورة على شاشة هاتف محمول، ففي عالمٍ ازدحمت فيه المدن واتسعت فيه المسافات بين البشر رغم قربهم الظاهري، وجد كثير من الشباب والفتيات أنفسهم يلجأون إلى تطبيقات الزواج والتعارف بحثا عن نصفهم الآخر، هربا من الوحدة أحيانا، ومن ضغوط المجتمع أحيانا أخرى، ومن واقع اقتصادي يزداد قسوة يوما بعد يوم.
فمع ارتفاع تكاليف الزواج وتراجع فرص الارتباط التقليدية، تحولت هذه التطبيقات إلى سوق إلكترونية للمشاعر والأحلام والوعود، يراها البعض جسرا نحو الاستقرار وتكوين الأسرة، بينما يراها آخرون بابا مفتوحا للخداع والتلاعب واستغلال الاحتياجات الإنسانية.
في هذا التحقيق، تقترب «اللواء الإسلامي» من عالم تطبيقات الزواج على وسائل التواصل الاجتماعي، لتكشف حقيقة ما يجري خلف الشاشات، وتستطلع آراء علماء الدين وخبراء الاجتماع والنفس، حول واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في عصر التكنولوجيا.
تقول د. ملك أحمد، أستاذ مساعد علم الاجتماع ببنات عين شمس، إن «الخاطبة›› في الزمن الماضي، كانت هي العنصر الأساسي في كل مشاريع الزواج، فهي التي تستطيع دخول كل البيوت، وتساعد الشباب والفتيات في العثور على شريك الحياة المناسب.
أما الآن، ومع اختلاف العصر وطرق التفكير ظهرت أساليب جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل تطبيقات الزواج كظاهرة دخيلة على مجتمعاتنا العربية لتعكس تحولًا في أنماط اختيار الشريك، حيث تنتقل من الطرق التقليدية (الأهل، المعارف، الأسرة) إلى الطرق الرقمية، وهو ما يثير انقسامًا بين التسهيل الاجتماعي والمخاطر السلوكية.
وتشير إلي أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية قد أجري بحثا حول التعارف والزواج عبر الإنترنت من خلال دراسة قومية شملت المصريين، إلى جانب مقابلات مع 80 شابًا تزوجوا من خلال تطبيقات الإنترنت لمعرفة تجاربهم الواقعية.
وقد أظهرت نتائج الدراسة أن الثقة في الإنترنت بشكل عام تجاوزت 50%، كما أن 41% من المصريين لديهم معرفة بفكرة الزواج أون لاين، وهي مؤشرات تعكس انتشار الظاهرة داخل المجتمع.
اقرأ أيضا| التسوق الإلكترونى.. فرص مشروعة أم بوابة للنصب؟
وتضيف د. ملك أن تلك التطبيقات أصبحت أداة تُسهّل من مهمة البحث عن الشريك، وتُوَسِّع دائرة الخيارات، كما أنها توفر فرصًا للشباب للتعارف وتخطي العقبات الاجتماعية والاقتصادية، مما يساعد في إيجاد الشريك المناسب في ظل تعقد الحياة العصرية، مشيرة إلى أن هذه التطبيقات يمكن أن نطلق عليها «الخاطبة الإلكترونية» التي توفر وسيلة لتعارف أكثر خصوصية وتحفظ «ماء الوجه» في البحث عن شريك العمر.
وتؤكد أستاذ علم الأجتماع، أن بعض الدراسات أثبتت أن الأشخاص الذين يجتمعون عبر الإنترنت قد يتزوجون بشكل أسرع، وأن هذه الزيجات قد تكون أقل عرضة للانفصال في السنة الأولى، مما يشير إلى توافق أولي قائم على اختيار مدروس، ولكن توجد أيضًا الكثير من السلبيات، فهذه التطبيقات غالبًا ما تكون غير صادقة، وتحمل الكثير من الزيف والكذب في الصور التي تنشرها للراغبين في الزواج، بالإضافة إلى عدم صحة البيانات الخاصة بكل حالة، مما يُوقِع الكثيرين في مشاكل لا حصر لها، بسبب التسرع في اتخاذهم مثل هذه الخطوة دون التحقق الفعلي من مصداقية الشريك الآخر.
وتابعت أن النظرة الصائبة لمثل هذه التطبيقات لا تعتبر بديلًا كافيًا عن التواصل الحي الفعال بين الأسر، كما أنها لا تكفي للتعارف الطبيعي الذي يساعد كل شخص على فهم شريكه فهمًا أعمق.
وتؤكد أن التعامل مع تلك الظاهرة هو في حقيقته تجاوز لخطوط الرقابة الأسرية، كما أنها تمثل خروجًا عن نمط التواصل التقليدي القائم على إشراف الأسرة، فهي تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (الخلوة الرقمية)، مما قد يسبب مشاكل في الثقة مستقبلًا، وبسبب ذلك فإن بعض هذه الزيجات تنتهي بالانفصال نظرًا للفشل في الوصول إلى التوافق الحقيقي، لذلك ننصح بضرورة التحقق الحذر، وسرعة نقل العلاقة من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع لضمان نجاح الزواج وتجنب مخاطر التزييف.

تباعد اجتماعي
من جانبه يقول د. أحمد فخري، أستاذ علم النفس الأكلينيكي بجامعة عين شمس، إنه منذ فترة ليست بالقصيرة انتشرت تطبيقات الزواج عبر الإنترنت مع التطور التكنولوجي وكنتيجة للتباعد الاجتماعي الذي نشهده منذ عقود زمنية متلاحقة، مؤكدا أن هذه التطبيقات أصبحت تحتل مكان «الخاطبة›» قديمًا، والتي كانت تسعى لإيجاد شريك الحياة من خلال دخول منازل الباحثين عن زواج، وكانت تتفحص بعينها الخبيرة مكانة الأسرة وأصلها، كما أنها كانت تعاين المتقدم للزواج بمعايير ومواصفات تتناسب مع ظروف ومعايير الطرف الآخر وفق قواعد وشروط محددة ومقبولة اجتماعيًا.
أما في وقتنا الحاضر فقد أصبح الشباب الراغبون فى الزواج يلجأون إلى تحميل تطبيق الزواج من شبكة الإنترنت بحثًا عن الشريك حسب مواصفات كل طرف وما يرغب به.
اقرأ أيضا| فتاوى العلاقات.. كيف يدير مجهولون مصير الأسر على السوشيال ميديا؟
أما عن رؤية علم النفس لتلك الظاهرة، فيشير د. فخري، إلي إيجابياتها، التي منها تسهيل إيجاد شريك الحياة، خاصة لمن يفتقد العلاقات الاجتماعية، أو قد يكون مغتربًا، أو أن دائرة معارفه محدودة للغاية، فمثل هذه التطبيقات توفر له وسيلة سهلة للتعارف على الطرف الآخر.
وينوه أيضا إلي جوانبها السلبية، فقد تكون مدخلًا للنصب والاحتيال؛ فالواجهة هي «البحث عن شريك الحياة »، أما الهدف الخفي فقد يكون البحث عن الثروة، أو محاولة الانتقال إلى فئة اجتماعية أعلى، أو البحث عن مسكن فخم، أو غير ذلك من الأهداف.

سلاح ذو حدين
ويضيف الشيخ فودة السيد فودة، إمام المسجد الشافعي، أن تطبيقات الزواج قد برزت على الإنترنت كأداة حديثة للتعارف بين الراغبين في تكوين أسرة، وقد انقسمت الآراء حولها بين مؤيد يرى فيها تيسيرًا للزواج، ومعارض يخشى ما قد تفتحه من أبواب غير منضبطة.
ويشير إلي أنه من الناحية الشرعية، فإن الأصل في هذه التطبيقات الإباحة؛ لأنها وسيلة، والوسائل تأخذ حكم مقاصدها، فإذا كان الهدف هو الزواج المشروع، ولم تُخالف الضوابط الشرعية، فلا حرج في أصل استخدامها، إلا أن هذه الإباحة ليست مطلقة، بل تُقيَّد بجملة من الضوابط، من أهمها: أن يكون التعارف بقصد جاد في الزواج، لا لمجرد التسلية، بالإضافة إلى الالتزام بالأدب الشرعي في الحوار، والبعد عن الإثارة العاطفية، وعدم التوسع في العلاقات الخاصة أو ما يشبه «الخلوة الإلكترونية››، فضلا عن إشراك الولي في الوقت المناسب، والتحقق من صدق الطرف الآخر.




