مع اقتراب ماراثون امتحانات الثانوية

الهدوء النفسى والقرب من الله مفتاح التفوق

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

أيام قليلة تفصلنا عن امتحانات الثانوية العامة، وتتصاعد مشاعر القلق والتوتر داخل آلاف المنازل، حيث يعيش الطلاب وأسرهم حالة من الترقب المشوب بالخوف والأمل في آن واحد، وبين أحلام الالتحاق بالكليات المفضلة وضغوط تحقيق الدرجات المرتفعة، يجد كثير من الطلاب أنفسهم في مواجهة تحدٍّ نفسي لا يقل صعوبة عن الامتحان نفسه، ورغم أن قدرًا من القلق يُعد دافعًا طبيعيًا نحو الاجتهاد والاستعداد، فإن تحوله إلى حالة من الخوف المفرط قد ينعكس سلبًا على التركيز والثقة بالنفس، ويؤثر على الأداء داخل لجان الامتحانات. فكيف يمكن لطلاب الثانوية تجاوز هذه الضغوط والاستعداد نفسيًا لخوض ماراثون الامتحانات بثبات وهدوء؟ .. فى هذا التحقيق تناقش «اللواء الإسلامى» كيفية التغلب على قلق الامتحانات:

 د. عاصم حجازي: ضرورة الاستعداد المبكر وتنظيم الوقت

يرى د. عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن أفضل وسيلة لتجنب ضغوط الامتحانات هي الاستعداد المبكر وعدم تأجيل المذاكرة إلى الأيام الأخيرة، مؤكدًا أن تنظيم الوقت ووضع خطة دراسية واضحة منذ بداية الفصل الدراسي يساعدان الطالب على استيعاب المعلومات تدريجيًا، ويقللان من الشعور بالتوتر قبل الاختبارات.

اقرأ أيضا| قلق الامتحانات.. كيف نتغلب عليه ؟

ويؤكد أستاذ علم النفس التربوي أن النظرة الإيجابية للامتحانات يجب أن تنطلق من اعتبارها فرصة حقيقية لاكتشاف قدرات الطالب ونقاط قوته وضعفه، وليست مجالًا للمنافسة أو المقارنة بالآخرين، مشيرًا إلى أن الطالب الذكي يسعى إلى بذل أقصى جهد ممكن في المذاكرة بهدف التعرف على إمكاناته الحقيقية واستثمارها بالشكل الأمثل.

ويشدد على أهمية مراقبة الطالب لأدائه أثناء الدراسة للتعرف على المواد التي يجد فيها سهولة أو تميزًا، وما إذا كان يميل إلى الجوانب العملية أو النظرية، أو إلى المواد العلمية أو الأدبية، بما يساعده لاحقًا على اختيار التخصص الجامعي المناسب. كما يحذر من إهدار الوقت، وضرورة تحقيق التوازن بين المذاكرة وممارسة الهوايات المفضلة باعتدال.

ويؤكد د. حجازي على ضرورة وضع الأهداف والطموحات أمام أعين الطلاب والتخطيط الجيد لتحقيقها من خلال تقسيم المهام الدراسية وتنظيم الوقت، مع الإكثار من حل الأسئلة والتطبيقات والنماذج الاسترشادية في ظروف مشابهة للامتحان الفعلي، واستخدام كتيب المفاهيم للتدرب على الشكل النهائي للاختبارات وفهم أساليب صياغة الأسئلة.

وينصح د. حجازي الطلاب بالحصول على قسط كافٍ من النوم، خاصة خلال الأيام السابقة للامتحانات، حيث يؤدي السهر لساعات طويلة إلى تراجع كفاءة الدماغ وضعف التركيز، مؤكدًا أن النوم المنتظم يساعد على تثبيت المعلومات وتحسين القدرة على الاسترجاع أثناء الاختبار.

كما أوصى بالاهتمام بالنوم الكافي والتغذية السليمة واختيار مكان هادئ وجيد التهوية والإضاءة للمذاكرة، إلى جانب الاستعانة بوسائل تعزيز الذاكرة مثل الخرائط الذهنية وألوان التحديد والرسوم التوضيحية.

ودعا الأسر إلى التركيز على الجهد المبذول بدلًا من النتائج فقط، والتحلي بالهدوء والابتعاد عن مصادر الإحباط والقلق والتشتت، بما يسهم في تهيئة بيئة داعمة تساعد الطلاب على تحقيق النجاح والتفوق.

 د. تامر شوقي:  القلق يضعف التركيز .. وحل النماذج سر التفوق

من جانبه يؤكد د. تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن القلق المعتدل قبل الامتحانات أمر طبيعي ومطلوب لأنه يحفز الطالب على المذاكرة، بينما يؤدي القلق المفرط إلى ضعف التركيز والتشتت، ناصحًا الطلاب بضرورة التمسك بالأمل والثقة في النجاح، وتجنب التفكير في الفشل أو صعوبة الامتحانات، مع تذكّر أن عدد امتحانات الثانوية العامة أقل من السنوات السابقة، وأن آلاف الطلاب نجحوا وتفوقوا رغم تعرضهم للضغوط نفسها.

وشدد الخبير التربوي على أهمية الحوار الذاتي الإيجابي والابتعاد عن الأصدقاء الذين ينشرون الإحباط والطاقة السلبية، ويوضح د. شوقي أن النجاح يتطلب إدارة جيدة للوقت، وتقليل استخدام الأجهزة الرقمية المشتتة، وتثبيت مواعيد النوم والمذاكرة ومكان الدراسة، كما دعا إلى وضع خطة للمراجعة تبدأ بالدروس التي لم تُذاكر أو تُراجع من قبل، مع توزيع الاهتمام على جميع المواد وعدم إهمال أي جزء من المنهج، وإعطاء عناية خاصة للغة العربية واللغة الأجنبية الأولى لارتفاع درجاتهما.

ويوصي بالاعتماد على أساليب مراجعة متنوعة، وحل النماذج الاسترشادية والامتحانات السابقة لفهم طبيعة الأسئلة والتدرب على الإجابة الصحيحة، إلى جانب التواصل مع المعلمين لحل أي نقاط غير واضحة.

ويشير إلى أن الأسرة شريك أساسي في نجاح الطالب، من خلال توفير التغذية الصحية والهدوء والاستقرار النفسي، والابتعاد عن الخلافات الأسرية والضغوط الزائدة. كما يؤكد على أهمية تقبل الأبناء دون ربط قيمتهم بنتيجة الامتحان، والتركيز على الجهد المبذول بدلًا من الدرجات فقط، مع تجنب المقارنات بالآخرين أو التوقعات غير الواقعية، والاعتماد على التشجيع والمكافأة بدلًا من التهديد والعقاب، بما يعزز ثقة الطالب بنفسه وقدرته على التفوق.

اقرأ أيضا|بالإنفوجراف| التعليم توضح إرشادات امتحانات الثانوية العامة 2026

ويضيف أن التغذية السليمة تلعب دورًا مهمًا في دعم الأداء الذهني، موصيًا بضرورة تناول وجبة إفطار متوازنة قبل الامتحان، مع الإكثار من شرب المياه والابتعاد عن المشروبات الغنية بالسكريات أو الكافيين بكميات كبيرة، لما قد تسببه من زيادة التوتر والعصبية.

د.علي فخر: الصلاة وذكر الله من أعظم أسباب التوفيق

وفي السياق نفسه يؤكد د. علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن الهدوء النفسي يُعد بابًا واسعًا لإدراك المعلومات وتثبيتها، مشيرًا إلى أن الاضطراب النفسي يؤثر سلبًا على قدرة الطالب على التركيز والحفظ والفهم.

ويشدد على أن تحقيق الهدوء النفسي يكون من خلال المداومة على ذكر الله سبحانه وتعالى، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، محذرًا الطالب من أن يتعلل بضيق الوقت أو كثرة الدروس والمذاكرة لترك الصلاة، لأنها من أعظم أسباب التوفيق والنجاح.

كما يؤكد أن الصلاة هي الباب الذي يفتح لنا رضوان الله سبحانه وتعالى، ولذلك يجب أن نحرص عليها وعلى الأذكار، فالله تعالى يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ومن ثمَّ يمنحنا الله القوة والقدرة على المذاكرة والتركيز والحفظ والفهم.

ويشير أمين الفتوى إلى أن حسن العمل يأتي في مقدمة أسباب التفوق، كما أن الطالب يجب عليه أن يبذل ما في وسعه في المذاكرة والاستعداد للامتحانات، مؤكدًا أن التوفيق مرتبط بالسعي والاجتهاد، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى يبارك في الجهد المخلص والعمل المتقن، وهو ما يؤكد أن الطالب مطالب أولًا بالمذاكرة والاجتهاد، ثم بالدعاء وحسن الظن بالله، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل»، أي خذ بالأسباب أولًا ثم توكل على الله عز وجل.

ويشدد على أهمية إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في طلب العلم، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من التعلم ينبغي أن يكون التقرب إلى الله تعالى والاستفادة من العلم النافع، لا مجرد الحصول على شهادة أو وظيفة.

د. هشام ربيع: النجاح يحتاج لإرادة وقدرة على تطوير الذات

ويضيف د. هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن مرحلة الثانوية العامة تُعد من أكثر المحطات تحديًا وحساسية في حياة الأسرة، حيث تتجه الأنظار إلى نتائج الطلاب باعتبارها حصاد سنوات من الجهد والتعب، ما يجعلها فترة مليئة بالترقب والضغوط النفسية.

ويشير إلى أن كثيرًا من الآباء والأمهات، بدافع الحب والخوف على مستقبل أبنائهم، يمارسون ضغوطًا نفسية كبيرة عليهم، معتقدين أن الضغط المستمر والمقارنات مع الآخرين يمثلان حافزًا للتفوق، بينما تؤكد التجارب أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يتحول السعي للنجاح إلى خوف مرضي من الفشل، ويستهلك القلق طاقة الطالب الذهنية والنفسية على حساب التركيز والتحصيل الدراسي.

ووجَّه أمين الفتوى رسالة إلى أولياء الأمور، دعاهم فيها إلى أن يكونوا مصدر دعم وسند لأبنائهم خلال هذه المرحلة، وأن يقدموا لهم حبًا غير مشروط لا يرتبط بدرجات الامتحانات أو تنسيق الجامعات، مع توفير بيئة أسرية هادئة ومشجعة تساعدهم على أداء ما عليهم من واجبات بأفضل صورة ممكنة.

ويوضح أن الواقع المعاصر يفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب، كما أن النجاح لم يعد مرتبطًا فقط بالمسارات التعليمية التقليدية، بل أصبح العالم يقدّر المهارات والإبداع والشغف والقدرة على التطور المستمر، وهو ما يستدعي توسيع نظرة الأسرة لمفهوم النجاح ومستقبل الأبناء.

ودعا الطلاب إلى ضرورة السعي الجاد وبذل الجهد وتنظيم الوقت، مع الحرص على الحصول على فترات مناسبة من الراحة وعدم تحميل النفس فوق طاقتها، مؤكدًا أن الإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب بإخلاص وأمانة، بينما يبقى التوفيق والنتائج بيد الله سبحانه وتعالى.

ويؤكد د. ربيع أن نتيجة الثانوية العامة لا تُحدِّد قيمة الإنسان ولا تختزل مستقبله، معللًا ذلك بأن النجاح الحقيقي لا يقف عند حدود الأرقام والدرجات، بل يتمثل في الإرادة والاستمرار والقدرة على تطوير الذات وتجاوز التحديات.

ويشدد على ضرورة استقبال النتائج بالرضا والاطمئنان، والإيمان بأن لكل إنسان طريقًا وقدرًا كتبه الله له لحكمة، وأن المستقبل قد يحمل فرصًا وخيرًا لا يدركه الإنسان في لحظته الحالية، طالما بذل جهده وأحسن عمله، فالله لا يضيع أجر المحسنين.

 

ترشيحاتنا