الحوار الحضاري وبناء المستقبل

د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

بقلم/ د. سلامة داود

الإنسان بطبيعته مشغول بالمستقبل، يتطلع إلى ما تحمله الأيام القادمة، ويحاول أن يستكشف ملامح الغد قبل أن يأتي، غير أن الغيب يظل سرًّا لا يعلمه إلا الله، ولذلك فإن الحكمة لا تكون فى الانشغال بما سيحدث بقدر ما تكون فى العمل الجاد الذي يصنع مستقبلًا أفضل، فالمجتهد الذي يسهر الليالي ويواصل العمل إنما يزرع اليوم ليحصد غدًا، والأمم كذلك لا تتقدم إلا إذا أحسنت التخطيط، وأقامت حاضرها على أسس قوية تحفظ لها مكانتها فى المستقبل.

وقد أدركت الأمم المتقدمة قيمة التخطيط واستشراف المستقبل، فبنت نهضتها على العلم والعمل والرؤية الواضحة، بينما ظلت الأمم المتأخرة أسيرة العشوائية وردود الأفعال، ولهذا فإن بناء المستقبل لا يتحقق بالأماني والشعارات، وإنما بالاجتهاد والإعداد وصناعة الوعي القادر على مواجهة التحديات. 

اقرأ أيضًا: من بلاغة آيات الحج والعمرة فى القرآن الكريم 2

وفى قلب هذا الوعي تأتي قيمة الحوار، فالحوار ليس أمرًا ثانويًا فى حياة الأمم، بل هو أساس من أسس الاستقرار والتفاهم، ووسيلة للوصول إلى الحق وإزالة أسباب النزاع، والمتأمل فى التراث الإسلامي يجد أن الحوار حاضر منذ بداية الخلق؛ فقد وردت فى القرآن الكريم صور متعددة للحوار بين الله تعالى وملائكته، وبينه سبحانه وبين إبليس، ثم بين الأنبياء وأقوامهم، وهذه الحوارات لم ترد عبثًا، وإنما لتؤكد أن الإقناع بالحجة والعقل هو الطريق الأقوم لتمييز الحق من الباطل.

والإسلام حين دعا إلى الحوار لم يجعله مجرد تبادل للكلمات، وإنما جعله قائمًا على الحكمة والعدل والإنصاف واحترام الإنسان، فالحوار الحقيقي هو الذي يبتعد عن الصخب والتعصب، ويسعى إلى الوصول للحقيقة بعيدًا عن التشويش والانفعال، ولذلك أمر القرآن بالتفكر والتدبر بعيدًا عن تأثير الجماعات المنفعلة والأصوات المرتفعة التي قد تطمس الحقيقة وتحجب الرؤية السليمة.

إن الحوار الحضاري يمثل أرقى صور التعامل الإنساني، لأنه يعتمد على العقل والمنطق لا على القوة والهيمنة، غير أن العالم المعاصر يشهد مفارقة مؤلمة؛ فالدول الكبرى التي تتحدث كثيرًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان كثيرًا ما تتخلى عن هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها السياسية، ويظهر ذلك بوضوح فى المواقف الدولية من المآسي الإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، خاصة فى غزة، حيث تستمر آلة الحرب فى حصد أرواح المدنيين من الأطفال والنساء وسط صمت دولي وعجز واضح عن إيقاف العدوان.

ومن أخطر مظاهر هذا الخلل ما يسمى بـ«حق الفيتو»، الذي تحول فى كثير من الأحيان إلى أداة تعطل العدالة الدولية، وتجعل إرادة دولة واحدة فوق إرادة شعوب العالم بأسره، ولهذا أصبح كثيرون يرون أن هذا النظام لم يعد يحقق العدالة أو يحفظ حقوق الضعفاء، بل يمنح القوى الكبرى قدرة على فرض إرادتها ولو على حساب الدماء والأوطان.

وفى مقابل لغة الحرب والدمار، تبقى لغة الحوار هي الأقدر على حماية الإنسانية من الانهيار، فالسلاح لا يصنع سلامًا دائمًا، والقوة وحدها لا تبني استقرارًا حقيقيًا، وإنما يتحقق السلام حين تنتصر الحكمة ويعلو صوت العقل على صوت المدافع، ولهذا يحتاج العالم اليوم إلى إعادة الاعتبار للحوار بوصفه وسيلة لإنهاء الصراعات وحل الأزمات بعيدًا عن منطق القوة والغلبة.

كما أن الأمة الإسلامية فى حاجة إلى ترسيخ ثقافة الوحدة والتقارب ونبذ الخلافات التي أنهكتها طويلًا، فالأمة التي تتفرق كلمتها تضعف مكانتها، بينما تمثل الوحدة مصدر قوة وعزة وقدرة على مواجهة التحديات، ومن هنا فإن الحوار بين أبناء الأمة الواحدة ضرورة لا غنى عنها، لأنه يحفظ وحدة الصف ويمنع تحول الاختلاف إلى صراع يستهلك الطاقات ويمنح الأعداء فرصًا أكبر للهيمنة.

إن العالم لن يعرف طريق الاستقرار إلا إذا انتصرت قيم العدل والرحمة والتفاهم، وعاد الإنسان إلى احترام أخيه الإنسان مهما اختلف معه، فالحوار ليس مجرد وسيلة للكلام، بل هو طريق لبناء مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا وإنسانية، مستقبل يقوم على العقل لا على الخراب، وعلى التفاهم لا على الكراهية والصراع.