في قلب الصحراء القاحلة وبين مكة والمدينة كانت تنصب عاتكة بنت خالد، المعروفة "بأم معبد الخزاعية" خيمتها لتكون محطة ثابتة لكل من يمر بهذا الطريق الوعر من المسافرين وقصاد بيت الله الحرام ، حيث لم تكن مجرد امرأة تسكن البادية بل كانت تدير بذكاء وفطرة كريمة منظومة ضيافة متكاملة توفر الماء والزاد لضيوف الرحمن وتؤمن لهم مكانا للراحة وسط الرمال والجبال بوقار لافت وشخصية قوية جعلت من خيمتها مقصدا معروفا للقوافل والحجيج على مدار العام.
حكاية "أم معبد" مع التاريخ بدأت في يوم الهجرة العظيم حين مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق وهما في أمس الحاجة للطعام والماء، فسألاها إن كان عندها شيء تشتريه منهما فقالت بصدق وأمانة لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والمجهود وهنا لمحت عينها الذكية نظرات النبي إلى شاة هزيلة كانت في جانب الخيمة لا تملك من القوة ما يجعلها تخرج مع القطيع للمرعى.
وحين استأذنها النبي في حلبها سمحت له برقي وثقة رغم علمها بجفاف لبنها فحدثت المعجزة التي غيرت حياتها للأبد حيث امتلأ الإناء باللبن وشرب الجميع حتى ارتووا وبقيت عندها البركة التي لم تنقطع.
اقرأ أيضا| في رحاب البيت الحرام.. عبر ومواقف
لم تكن "أم معبد" مجرد مضيفة عابرة بل كانت تمتلك بلاغة لغوية نادرة وقدرة فائقة على الوصف جعلتها تنقل أدق تفاصيل ملامح النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها وللأجيال من بعده فوصفته بوصف لم يستطع كبار الشعراء والبلغاء أن يأتوا بمثله، حيث رصدت بريق عينيه وجمال لحيته وهيبة صوته ووقار مجلسه مما جعل منها المصدر الأول لوصف هيئة النبي الجسدية بكل أمانة ودقة وصدق ومحبة.
ويأتي هذا الدور التوثيقي الهام يوضح أن وجودها في ذلك المكان لم يكن للضيافة فقط بل كانت لسان صدق نقل للأمة ملامح نبيها بذكاء وفطنة امرأة تدرك قيمة ما رأت.
استمرت أم معبد في دورها اللوجستي المهم بتقديم العون لكل حجاج بيت الله الحرام فكانت خيمتها بمثابة مؤسسة خدمية تطوعية تقدم الزاد والماء دون مقابل وتدير شؤون الطريق ببراعة فطرية تمنح الحجاج الأمان والراحة وتطبق بفعلها اليومي قول الله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} حيث كانت هي ركيزة هذا التعاون في أشد بقاع الأرض صعوبة وقسوة.
بقيت صورة أم معبد في ذاكرة التاريخ وهي تمسك بإنائها لتسقي العطشى وتطعم الجوعى بقلب رحيم وعقل مدبر استطاع أن يحول خيمة في قلب الطريق الصحراوي إلى منارة للضيافة والإرشاد يشار إليها بالبنان في كل رحلة حج وعبادة تقرب الناس من خالقهم وتعينهم على مشقة السفر وطول الطريق حتى يصلوا إلى مرادهم بسلام وأمان وأجر عظيم ونفوس مطمئنة بما نالت من رعاية واهتمام وإكرام لا ينقطع أثره أبدا عبر الزمان والمكان.



