خطبة حجة الوداع دستور شامل أسس لبناء المجتمعات على اختلافها

د.عثمان عبدالرحمن / د. محمد عباس
د.عثمان عبدالرحمن / د. محمد عباس

وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول دستور عرفته البشرية، وأسس لمجتمعات لا تعرف الا الحق والعدل والعيش في أمان وسلام، واستمر سنوات طويلة يركز لأسس العيش بأمان، وحين خطب صلى الله عليه وسلم في الناس يوم حجة الوداع، كان يذكر الناس بالدعائم والأسس التى تؤمن للبشرية حياة أفضل لا يظلم فيها إنسان لإنسان آخر، وفي سياق التقرير التالي نعرض بعضا من التحليلات لما جاء في خطبة حجة الوداع للرسول محمد صلى الله عليه وسلم  
 

مبادئ العدل
يقول د.عثمان عبدالرحمن مستشار العلوم الشرعية  بالأزهر الشريف، إن خطبة الوداع تعد من أعظم الخطب التي عرفها التاريخ الإنساني، لأنها أرست مبادئ العدل والرحمة والمساواة، وجمعت في كلمات قليلة أصول بناء المجتمع الإنساني السليم، فقد جاءت هذه الخطبة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت بمثابة دستور أخلاقي وإنساني خالد، يخاطب الناس جميعًا على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأزمانهم، وإذا تأملنا معانيها وجدنا أنها تمثل أعظم وثيقة لحقوق الإنسان؛ لأنها سبقت القوانين الحديثة بقرون طويلة، وأكدت على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية في الحياة والأمن والعدل.

 اقرأ أيضا:علماء الأزهر: "وثيقة المدينة" أول دستور ضمن التعايش على أساس العدل

يضيف د.عثمان، أنه من  أهم ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع حرمة الدماء والأموال والأعراض، فقد أوضح أن الاعتداء على الإنسان في نفسه أو ماله أو سمعته جريمة عظيمة لا يجوز التساهل فيها، وقد شبَّه النبي الكريم حرمة هذه الحقوق بحرمة اليوم الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام، حتى يدرك الناس خطورة الظلم والعدوان، وفي هذا تأكيد واضح على أن الإسلام جاء لحفظ أمن المجتمع واستقراره، فلا يجوز لأحد أن يأخذ مال غيره بغير حق، ولا أن يعتدي على كرامته أو ينال من شرفه وسمعته. ولو التزم الناس بهذه التعاليم النبوية لانتهت صور كثيرة من الفساد والظلم والعداوات التي تمزق المجتمعات.
 

خدمة حقوق النساء
ويؤكد د. عبدالرحمن  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى المرأة عناية كبيرة في خطبته، فأوصى الرجال بالنساء خيرًا، وأكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على الرحمة والعدل والتعاون، لا علـــى الظلـــم والاستبداد، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن للنساء حقوقًا يجب أن تُصان، كما أن عليهن واجبات ينبغي أن يلتزمن بها، وبذلك أقام الإسلام الحياة الأسرية على أساس التوازن والاحترام المتبادل، ومن أمانة حق المرأة التي أكدت عليها خطبة حجة الوداع أن تُعامَل المرأة معاملة كريمة تحفظ إنسانيتها وكرامتها، وأن يُنفَق عليها، ويُراعَى شعورها، وتُصان مكانتها داخل الأسرة والمجتمع. ولم يجعل الإسلام المرأة مهانة أو محرومة من حقوقها، بل رفع شأنها بعد أن كانت تُظلَم في كثير من المجتمعات القديمة، فجعل لها حق التعلم، وحق التملك، وحق اختيار الزوج، وحق الحياة الكريمة.

ويستطرد د.عثمان عبدالرحمن في قوله: ومن المبادئ العظيمة التي أرستها خطبة حجة الوداع مبدأ المساواة بين الناس، حيث أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى والعمل الصالح. وبهذا قضى الإسلام على العصبية الجاهلية والتفاخر بالأنساب والألوان، وربط قيمة الإنسان بأخلاقه وعمله الصالح، لا بجنسه أو ماله أو مكانته الاجتماعية. وهذا المبدأ من أعظم المبادئ الإنسانية التي تحتاجها المجتمعات في كل زمان، لأنه يدعو إلى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، ونبذ التمييز والكراهية والعنصرية.

ويشير مستشار العلوم الشرعية إلى أن الاستفادة من خطبة حجة الوداع في عصرنا الحاضر تكون بنشر قيمها، والعمل بها في البيوت والمدارس والمؤسسات والمجتمعات، فهي دعوة إلى حفظ الحقوق، وإقامة العدل، واحترام المرأة، وتحقيق المساواة بين الناس. وإذا التزم العالم بهذه المبادئ النبوية العظيمة لأصبح أكثر أمنًا ورحمة واستقرارًا، ولعاشت البشرية في ظل قيم إنسانية سامية تحقق الخير للجميع.

أسس الإنسانية
ويقول د. محمد عباس أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، إن من أعظم وأجل ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نص خطبته في حجة الوداع، والتي وضعت أسسا وقوانين للحياة الإنسانية إلى أن تقوم الساعة، وجاءت كل قاعدة فيها مرسخة لقانون من قوانين الحياة ليعيش الناس جميعا في أمن واستقرار وحياة اجتماعية وأسرية هادئة لا تشوبها شائبة، مشيرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجه خطبته للمسلمين فقط بل نادى في الناس كافة موجها نداءه لكل العالمين قائلا صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، وإن أول دمائكم أضع».

اقرأ أيضا:التضامن: وصول 11 ألف حاج من الجمعيات الأهلية إلى الأراضي المقدسة 

ويؤكد د.عباس أن خطبة حجة الوداع كانت في العام العاشر للهجرة وكانت بمثابة دستوراً شاملاً، ركّزت على حقوق الإنسان، حرمة الدماء والأموال، والمساواة، وحقوق النساء، والتمسك بالقرآن والسنة، وتأكيد وحدة الأمة، ونبذ الجاهلية، وقد أوصى فيها بتقوى الله وبإبلاغ هذه الأمانة، موضحا أن هذه الأمور المحرمات، النفس والمال والعرض هي ما يعاني منها العالم اليوم من أقصاه إلى أقصاه من إراقة للدماء وعدم صون حقوق النساء وتشريد الأطفال وهتك الأعراض وضع حلوله وأسسه نبي العالمين صلى الله عليه وسلم من قديم الزمان لتكون بمثابة دستور أممي انساني يسير الناس على هديه.